
إن الثقافة الغربية تستحضر في أساليب التربية ثقافة الإعتذار إذ يعتذر الوالدان من إبنهما إذا أخطآ في حقه .و يطلبان منه الإعتذار من شخص إدا هو أخطأ في حقه ، ويلحان في ذلك ، و لكن هل نحن نعلم أبنائنا الإعتذار .
بالتأكيد لا ، بل العكس هو الصحيح . فنحن نشجع أبنائنا على ان يمون أسدا ظالما . يرد لصاع صاعين . و إدا تعدى على زميله نمدحه و ننعته بالرجل الشجاع بل ونزرع في نفسه كراهية الآخر و الإحتياط منه فعندما تزود الأم ابنها بطعام الإستراحة المدرسية تحدره و تهدده إن هو أعطى جزءا من طعامه إلى الآخرين و في مقابل ذلك رأيت حقائب طعام في فرنسا منقسمة إلى نصفين . تضع الام طعامين مماثلين في كل طرف وتقول لابنها هذا الجزء لك وهذا لزميل لك في الفصل ..
إن طريقة تربيتنا لابنائنا تخلق جيلا انعزاليا عدوانيا أنانيا و ما أظن إلا أننا بدأنا نجني ثمار هذه التربية إذ فعلا أصبحنا نلاحظ سوء موقف الشاب العربي من الآخر حتى في الأمور البسيطة و من خلال وظيفتي كأستاذ، تمر من أمامي حالات جد مؤلمة تؤكد سوداوية المستقبل العربي في ظل هذا التحول الأخلاقي السلبي الذي يلامس حتى أبسط الأمور كرفض التلميذ إعارة زميلهم قلما جافا أو كتابا لحصة ما.
إن التربية الغربية تحث الشخص على الإعتذار حتى على أشياء لا علاقة له بها أصلا كاعتذار المتحدث إن هو سمع بخبر موت شخص ما، فهو يعتذر لأسرته ولو بعد سنوات “
إن حقيقة الإيمان تتمثل في مدى استعداد المرء للإعتذار وتقبله ، فإن صفحت وعفوت وقبلت الإعتذار ونسيت الإساءة فإيمانك بخير وقلبك رقيق رحيم وإن كان العكس فعليك تجديد إيمانك وترقيق قلبك وإعادة النظر في مواقفك قبل فوات الأوان.
إن ثقافة الإعتذار ثقافة حضارية سامية ترفع صاحبها و تجلي وعيه وما أحوجنا إليها في مجتمعنا بكل فصائله الصغرى و الكبرى و حتى العليا . فما هو العيب في اعتذار مسؤول كبير للشعب إن أخطأ . وهذا يزيده رفعة واحتراما. وقد لاحظنا بأن الربيع العربي أطاح بعدد من الرؤوس الحاكمة التي أخطأت في حق شعوبها بثبوت الأدلة و البراهين . ولكنها لم تعتذر للأمة و كأنها في قرارة نفسها راضية عن سلوكها . لذلك لم و لن تكسب عطف شعوبها ..وكم هي الأخطاء الفضيعة التي ارتكبتها وزارات في حق مواطنين وبالتالي في حق الوطن ولكننا لم نسمع منهم إعتذار في نوع من التنكر للخطإ رغم فضاعته ، هذا في الوقت الذي تستقيل فيه حكومات ووزارات بسبب أخطاء وقعت في زمن تحملهم المسؤولية لأنهم يعتبرون أنفسهم مسؤولون عن كل الأخطاء ولذلك يقدمون إعتذارا مزدوجا هو تصريح علني بالخطإ واستقالة من المنصب الحكومي ، فأين نحن من هذا الوعي الذي جسدته سلوكات سلفنا الصالح ..وما بكاء عمر ابن الخطاب ليلا إلا خوفا من التقصير في المسؤوليه ، وهو الذي كان يحث على رأسه التراب أمام الناس كلما أحس بنوع من التقدير ليذكر نفسه بحقارتها رغم عظمته .ولا ننسى تسارع كل من أبي بكر وعمر رضي الله عنهما للإعتذار من بعضهما كلما شب خلاف بينهما .
وفي نهاية المطاف على كل واحد منا أن يسأل نفسه هل هو يريد مغفرة الخالق ؟ بالتأكيد نعم . هذه المغفرة لن تكون إذا نحن لم نطلبها من الله (ادعوني استجب لكم) و طلب المغفرة اعتراف ضمني بالخطأ . فإذا كان الله تعالى بجلال قدره يطلب منا الإعتذار فما بالك بالإنسان.
وعلينا ان نستفيد من مفكرينا وأدبائنا في هذا الموضوع ومن ذلك قول الشاعر القروي
ألقيتُ في سَمْـعِ الحبـيبِ كُليـمَةً
جَرحَـت عَـواطِــفَهُ فــما أقـسانـي
قَطَعَ الحَدِيـثَ ورَاحَ يَمْـسَحُ جَفنَهُ
فَـودَدتُ لـو أُجْـزَى بِقَـطعِ لسَانِي
وَمَــضَى ولي قَــلبٌ على أثَـــارِهِ
ويَــدَانِ بالأذيَــــالِ عَـالِقَـــــــتانِ
فَطَفَقتُ مِن ألمي أكفكِفُ أدمُعِي
ورجِعْـتُ من نَدَمي أعُـضُ بَنَانِي
وأقــولُ وا خَـجَــلِي إذا لاقَـيْــــتُهُ
فـبــأي وَجِــهٍ عَابِــسٍ يَلـــقَــانِي
وأقول في قصيدة شخصية تحت عنوان ( دعوة للتصالح مع النفس) موجهة لمن يخطىء ولا يعتذربل يستمر في خطئه ولمن لا يقبل الإعتدار
وأدت الفؤاد وعاتبتني بما قد جهلت وما أعلم
فكنت الشديد بلا رحمة وكنت لنشر العدا أميل
فأن كان جرمي لك قاتلا فردك لي بالأذى أقتل
فمهما اختلفنا فنحن معا وإنك من غضبة أعقل
نعيش برغم الصراع معا نشيخ معا والردى يقبل
فانت الرفيق بدرب الحيا وأنت الشقيق فما أفعل؟
تحمل خطايا وكن غافرا وعفو الكرام لك أسأل
فإن كنت للهجر ترنو له فهاني لربط العرى أبذل
وإن كنت في سيرتي ناقصا فأنت بحمل الأذى الأشمل
تركنا الرسول لنا هاديا تبعنا الرجيم لنا الأمثل
نسيء السلوك مع بعضنا ونلمس عذرا لما نعمل
نعيب الخلافات في غيرنا ومنا العيوب غدت تنهل
ونغضب من دافع تافه وللصلح هيهات لا نبذل
فكل يرى نفسه صائبا وللحق من جهله يجهل
حكيم إذا فاه في مجمع وفي سره للأذى يأمل
عنيد فلا يغفر زلة وكم زلة منه لا تقبل
فعار علينا الخلاف ونحـ ــن قدوة جيل ،ألا نخجل؟
نشيع الخصال بأقــــوالنا وعن نفسنا في الهدى نغفل
نعادي زميلا ، نحد صنيعا نقاطع جمعا ، ولا نعدل
ونمنع خيرا ، ونرفض عونا ونظــلم غيرا، ولا نسأل
ننـــم بريئا ، نهين شريفا نكســــر ودا ولا نعـــقل
نريد اعـــتزالا ، نعلي فسادا ونحن لما يفســــد أميل
فوالله ســــاءت لنا سمعة وعــــار علينــــا لها نقـــبل
لنبدأ طريقا جديدا معا وننسى العتاب فذا الأكمل
ونبني سويا سعادتنا وسوء النوايا معا نقتل
فنرضي الضمير بخلق سما ونرضي الإلاه وذا الأجمل
فنحن اجتمعنا هنا لحظة وللمنتهى كلنا واصل
فكم من زميل مضى فجأة وكل مقيم غدا يرحل
نصافح بعضا قبيل الفراق ونسعى لصلح ولا نخجل
وننسى خلافا يفرقنا ونبدأ عهدا به نحفل
ونكظم غيضا ونعفو إذا ما رغبنا بأجر هو الأفضل














