
الطيب بنعبيد
الحفظ وسيلة تعليمية ضرورية ومفيدة ولكن التعامل العشوائي معه أفقده دوره التربوي وحوّله إلى ممارسة اضطرارية تعج بالسلبيات ولا تخدم الجانب المعرفي, لأن النسيان سيكون النتيجة الحتمية له مادامت اعتباطية الممارسة تسود بين التلاميذ في غياب كل توجيه أو إرشاد من طرف المدرس الذي يفرض الحفظ على التلميذ ولا يسلحه بطرقه وظروفه ومعيقاته وهو ما أود الإشارة إليه في اختصار هنا.
إن طرائق التلقين (وخصوصا الحفظ) تستند أساسا إلى سلطة المعلم, أو العادة التي تكونت لدى الطالب والمتمثلة في التملق للأستاذ, ومحاولة إرضاء رغباته بتلبية ما يطلبه من التلميذ, فيكون التلميذ في هذه الحالة منفعلا لا فاعلا. ومن هنا يصبح التعامل مع النص سطحيا, لا يستند إلى عنصر الفهم, ونتيجة لهذا يفقد الحرف قيمته فتصبح التعابير اللفظية التي توجد بالنص المراد حفظه تعابير ميتة لا تثوي وراءها أي تجربة شخصية, وتظل فضفاضة في فحواها, عابرة لذاكرة التلميذ سرعان ما يغزوها النسيان.
وبذلك, لا يدرك التلميذ عمق النص إلا بعد لأي وفي الأخير, وانطلاقا من مجهود التلميذ نفسه, أو مساعدة بعض أقاربه المثقفين إذا كان محظوظا. وعدم الفهم يرتبط كذلك بموقف التلميذ نفسه من المادة المراد حفظها, كالنفور من المواد المعقدة أو من المواد الطويلة جدا. ولما كان التلميذ غير مدفوع عفوا إلى أن يحفظ المعارف التي تنقل إليه مادامت لا تكوّن جزءاً من حياته الخاصة, ومادامت لا تمس واقعه, وتقترب من مستوى فهمه وإدراكه, باعتبارها لا تحاول إثارة فضوله ولأنه لا يجد أي مناسبة عملية يستخدمها فيها, كان لا بد أن تثقل بها ذاكرته دون فائدة, وأن يدرب على هذا القصد تدريبا خاصا. ونتيجة لهذه الوضعية يفصل التلميذ بين السلوك اللفظي والسلوك الواقعي, فيحل الأول محل الثاني ويقبل التلميذ على هذا السلوك اللفظي ويعتقد أنه قد قام بعمل, وشعر, وفكر لمجرد كونه استظهر ما حفظه, وعندما يكون الحفظ النتيجة الدائمة في التعليم تكف اللغة عن أن تكون أداة للتعبير عن الفكر, وتغدو على العكس أداة لإخفاء الفكر, بل انعداما للفكر, لأنها تشكل شيئا آخر لا يتعلق بالتلميذ, وإنما يحدد علاقته مع أستاذه, لا علاقته مع واقعه ولا مستقبله, وبذلك تفقد التربية الفكرية قيمتها, وتتحول إلى أيديولوجيا معينة تخدم غرضا معينا ومحددا ينتفي مع الفكر البريء الذي يتوفر عليه التلميذ.
يتبع…















