
الطيب بنعبيد
الخوف ظاهرة طبيعية في الانسان، وهو ردة فعل أتجاه خطر خارجي حقيقي أو محتمل أو متخيل، والخوف ناتج عن نشاط آليات الدفاع في الأنا ، ذلك أن الإنسان عندما يتعرض لمؤثر سلبي خارجي فإن آليات الدفاع في الأنا تتدخل لتزرع الخوف في الإنسان حتى يتجنب مصادر الخطر أو يواجهه بما يناسب من سلوكات عملية واحترازية تهدف في النهاية إلى إخراج الانسان من مأزقه وإعادة التوازن إلى الانسان . غير أن هذا الخوف يتحول في كثير من الأحيان الى خوف سلبي مرضي يحول دون عيش الأنسان بشكل طبيعي عندما يتدخل في كل جزئيات حياته اليومية باعتبارها خطر . ومن هنا نفهم بأن الخوف نوعان ، نوع إيجابي وهو الذي ينبع من منطق الواقع عندما يقتنع العقل الثاقب بحتمية الخطر الحقيقي فيتدخل الخوف ليدفع الانسان لإتخاذ قرارات ومواقف دفاعية مناسبة للحال ،وهذا النوع من الخوف معقول وايجابي ومنه الخوف من الوقوع في المعصية والخوف من الله … أما الخوف الثاني فهو سلبي وغير مبرر منطقيا لأنه مرضي متعدد الصور وهو في الغالب فجائي لا يسمح بالتفكير في نوعية المؤثر الخارجي ومدى خطورته – إن كانت له فعلا خطورة – هذا الخوف لا يتعامل مع المنطق ولكنه نتيجة حتمية الفعالية تتدخل فيها الوساوس والمعتقدات والتربية الأسرية السلبية والموروث الميثولوجي… وهذا النوع الثاني من الخوف مدمر للشخصية ومولد للعقد وحاجز أمام الانسان لشق طريقه في الحياة بشكل طبيعي ، ومنه ما يطلق عليه بخواف الأطفال ، وهو الذي تزرعه الأسرة غير الواعية والجاهلة في أطفالها لتخلق منهم أشخاصا لا يعتمد عليهم في بناء الأمة لكثرة عيوبهم ، والأخطر من ذلك عندما نجد أشخاصا متعلمون يمررون نفس التربية المبنية على التخويف لأبنائهم لأنها تنقدهم من جلسات الشرح والتفسير والتوضيح لأبنائهم وتحقق في الوقت ذاته رغباتهم وأوامرهم .
فمن العادات السلبية والخطيرة المتبعة في المجتمعات العربية ، اعتماد التخويف وسيلة أساسية في تربية الأبناء ، بحيث أن الأسر تمرر أوامرها ونواهيها إلى أبنائها باستغلال نقطة ضعف الطفل المتمثلة في الخوف ،هذا الخوف الذي يكون طبيعيا في الإنسان منذ ولادته ولكن الأسرة تضاعفه وترسخه في نفسية الطفل بكل الطرق حتى يصبح الخوف السمة المسيطرة عليه ويخلق فيه عدة عقد قد لا يتخلص من بعضها طوال حياته ، فنجد في الموروث الميثولوجي العربي مئات أسماء الشياطين والجن والعفاريت والغيلان التي يذكرها الأهل لأبنائهم ويحكون الخرافات المتعلقة بها ، بل ويؤكدون صحة تواجدها حولهم
ويستغلون أسماءها لتخويفهم كلما عجزوا عن إقناعهم ، وهكذا ينفذ الطفل كل رغبات الأهل بدافع الخوف من هذه المخلوقات المتخيلة دون اعتبار للحقيقة والواقع ومن ذلك مثلا بدل توضيح سلبيات النوم في مدخل الباب مباشرة كالتعرض لتيار هوائي ضار وقطع الطريق على الراغب في الدخول .. يتم تحذير الطفل من النوم في المدخل بدعوى أنه ممر للشياطين ، ولمنع الطفل من الاقتراب من الماء الساخن لمخاطره أو تضييعه لنذرته يأمرونه بعدم سكبه على الأرض أو في المجاري حتى لا يصرعه جن ،وبدل إخباره بالأخطار التي يمكن أن تلحقه في الخارج ليلا يحدرونه من الخروج بعد المغرب حتى لا تختطفه عيشة قنديشة وتعتدي عليه،وخوفا عليه من النزلة بنهونه عن الاستحمام ليلا لان الجن يستحم بالحمام وتكون له أرجل معز ، وبدل بيان فضل البسملة عند الأكل يفزعونه بقولهم أنه إن لم يقل ياسم الله فسيأكل من فمه الشيطان ، وكذا تحذيره من الأكل حتى التخمة وإلا سيأكل كبد أمه ، وإذا صفر في البيت سيصبح البيت مهجورا ، إذا صعد للسطح سيضربه سحت الليل (الخفاش) ، و في الظلام تتواجد الغيلان وتسرق الأطفال ، واللعب بالنار يجلب العفاريت فتصيب الصغار بالعمى ، و من شرب آخر جرعة لبن سيشرب دم أبيه …إلى غيرها من الترهات التي تخلق الرعب في الطفل وتقتل فيه التفسير المنطقي للظواهر ، فبدل أن يفسر الأشياء منطقيا فإنه يستقي تفسيرات أهله الخرافية فيقتنع بها وينقلها بدوره للآخرين ، وهكذا تموت في عقله بدرة المعرفة الحقيقية المنطقية لتحل محلها الخرافة المكتسبة ، فيموت الإبداع قبل ولادته وتصبح العقلية متحجرة تميل الى الإيمان بالخرافة في مقابل الاستهجان بالمنطق والعلم ، وهذا من الأسباب الأساسية التي تجعل الأبناء يميلون الى الغباء والسذاجة السلبية ،ولا يعملون عقولهم في الأمور التي تصادفهم ، ولا حتى في دراستهم. ومن ذلك أيضا الربط بين السبب والمسبب بشكل غبي وتمريره للطفل ليكسب الغباء كالربط مثلا بين اللعب بالمشاهب النارية مساءا والتبول في الفراش ليلا ، والربط بين التكلم داخل المرحاض وقتل الملائكة ، والربط بين الأكل باليسرى والإصابة بالاسهال ، والربط بين أكل أكثر من يبيضتين والإصابة بالبرص..وغيرها مما يتسبب في خلق غباء حقيقي يعسر علاجه ويؤثر لاحقا في مستوى التعليم الذي يحاول تريسخ مبادىء المنطق المعرفي في عقول تشبعت باللامنطق .
لقد إقتنع أجدادنا مثلا أن منع الطفل من الاقتراب من النار بالتخويف أنجع من إقناعه عقليا بمخاطر النار المحتملة ، دون أن ينتبهوا إلى ردة فعله المستقبلية عندما تتربى في نفسه عقدة الخوف من النار،وأسوق نموذجا معاكسا في اليابان يؤكد وعي الأسر بالتربية المنطقية والعقلية . هناك لعبة جمر اصطناعي تطلق رجات كهربائية خفيفة جدا يتركها الأهل عمدا أمام الطفل ، وعندما يلمسها تطلق الرجات في يده فيتراجع ولا يلمسها ثانية بل لا يلمس النار التي تشبهها وقد اقتنع عقليا وعن طريق التجربة بخطورتها بعيدا كل البعد عن الخرافة ، وهكذا تتبع الأسر اليابانية سبل الاقناع غير المباشر للطفل بما يلزم فعله وما لا يلزم بالعقل والتجربة فيصبح مفكرا منذ صغره يعطي لكل سلوك مبررا عقليا معقولا.
والأخطر ما في الموضوع أن عددا كبيرا من الأسر تمارس عادات خاطئة في التربية وتجزم بأنها فعالة فيعاينها الأطفال الآخرون وهي تملرس على إخوتهم الأصغر منهم ومن أمثلة ذلك أنه عندما يتعذر على الطفل النوم لسبب منطقي ما تعمد الأم المشبعة بالفكر الخرافي إلى البخور( بزريعة القصير) مثلا فتغرق الطفل في هالات من الدخان الذي يؤدي بدوره الى تخدير الطفل بفعل مكونات هذه النبتة المسكرة فيغيب في غيبوبة فتظن الأم أنها تمكنت من طرد ( شقيقه الجن) الذي منعه من النوم ، فتترسخ الفكرة الخاطئة في عقلية باقي الأطفال الذين عاينوا الحالة.فيجزمون أن لكل طفل أخ جني يمكن طرده بزريعة القصبر. وهناك مثال آخر وهو نظرا لخصوصيات الوطواط المعتمدة في شق طريقه على الموجات رغم عماه، فإنه لا يغير اتجاهه حتى اللحظة الأخيرة قبيل اصطدامه بحاجز، ما وهذا ما يفسر إفزاعه للطفل إذا صادفه في مكان ما إذ يكاد يصطدم به فيغير اتجاهه فبيل الاصطدام مباشرة وهو ما يخلق حالة فزع لديه فيصفر لونه ويشحب ويرتجف لتأثره بما حصل فتفسر الأسر حالة فزع ابنها بأنه مس من (سحت الليل ) فيعلقون للطفل الودع والتمائم ويضعون قرب رأسه حزمة ثوم.كما يسقونه الحناء.
في هذه الأجواء الخرافية يشب أطفالنا فيتجرعون صور الخوف المتنوعة لتتكون لديهم تفسيرات غير منطقية للموجودات وللظواهر المحيطة بهم فيتعطل لديهم العقل وتصبح قابليتهم للقيادة أسهل وهذا ما سيترتب عليه نشوء جيل غير قادر على المواجهة ولا تحمل المسؤولية ، كما أنه في الغالب سينفر من العلوم لكونها تخالف معتقداته الخرافيه .
إن هذا النوع السلبي من التربية الذي تتبعه أسرنا ليست له عواقب في طفولة الإنسان فقط بل تمتد إلى كبره فتصبح له شخصية ضعيفة تؤمن بالخرافة لا بالعقل، وتؤثر على رجولته فيكون خوافا من المجهول ومن المحيط ومن الحياة ككل ، ونحن نعلم أن خواف الأطفال يتطور مع تطور العمر حتى يتحول مع الوقت الى عقد يصعب علاجها في الكبر ، كما أن ازدياد سلطة الخوف على الانسان يعرقل عددا من الأنشطة الذهنية بسبب ردة الفعل الناتجة عن آليات الدفاع في الأنا ، فيصبح الانسان خجولا ومترددا ومرتبكا وغضوبا منفعلا ومنعزلا وقليل الثقة في نفسه ومحيطه علاوة على الغباء والتخلف الناتجين عن تصديق الخرافة بعيدا عن منطق العقل ، وهكذا نلاحظ أن أساليب التخويف في التربية قد تحل مشاكل الأسر في تمرير قناعاتهم لإبنائهم ولكنهم عن غير قصد يساهمون في تدمير شخصية الأبناء وخلق روح الانهزامية فيهم ويجعلونهم عرضة لهوس خيالهم مما قد يحطم شخصيتهم بل ومستقبلهم ككل ، فمتى تحس الأسر بمسؤوليتها الحقيقية اتجاه أبنائها فتوجههم وتربيهم بالشكل الحضاري الذي يعتمد أساليب الإقناع المنطقي وهو ما حث عليه ديننا الحنيف عندما حرم الكذب لأن هذا النوع من التربية مبني على الكذب والبهتان والمؤمن
كما قال الرسول (ص) – لا يكذب . كما أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يحترم شخصية الطفل ولا يحقره أو يدمر نفسيتهأو يكذب عليه او يتجاهله بل كان يعطيه حصة من وقته لتعليمه وإرشاده بعيدا عن الخرافة والدجل واختلاق الحكايات والأساطير .















