
أعتقد أن الاعتذار أمام الملإ لا يرد للمقهور حقه فقط بل يرفع قدر المعتذر ، وقد حضرت مؤخرا حفلا به العشرات من الضيوف فقام أحد المدعوين وصرح علنيا بأنه أخطأ في حق موظفة فبدأ يبكي وتقدم نحوها وقبل رأسها بحضور زوجته وأبنائه فبكت الموظفة بدورها تأثرا وبكى عدد من الحاضرين وهم يطلبون من الموظفة قبول الإعتدلر ويهنئون الموظف على نبله وشهامته لأنه اعتذر أمام الجميع بشجاعة قل نظيرها .والله لقد تضاعف احترامي له أضعافا .وفي قبولها الإعتذار أيضا ازددت لها احتراما .
إن الإعتذار سلوك تشاركي طرفاه هما المعتذر و الضحية وكلاهما يلزم ان يكون في مستوى عظمة الحدث ،إن كانت مصيبتها هي في الترفع عن خصلة الإعتذار فإن مصيبتنا الأعظم هي في عدم قبول الإعتذار .
ليس من السهل أبدا على إنسان أن يعترف بالخطأ أمام الآخر ومجرد الإقدام على الإعتذار يستوجب على الاخر قبوله ليكون في مستوى الشهامة .ولذلك برر ( صلى الله عليه وسلم ) هذا القبول بكون المعتذر يذل نفسه من اجل طلب المغفرة وكسب رضا الله فلا يلزم على الإنسان إذلاله برفض إعتذاره فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينبغي لمؤمن أن يذل نفسه ويقول ارحموا عزيز قوم ذل.فمادام قد اعتذار فلا يجعله الضحية يريق ماء وجهه ذلا أمامه ويرده خائبا ففي هذه الحالة الضحية يصبح جانيا والجاني ضحية. وقد تمثل الصحابة رضوان الله عليهم هذا المعنى فهدا على بن ابي طالب كرم الله وجهه قال ناصحا ابنه :
” يا بنى ، اقبل عذر من اعتذر إليك ، واقبل العفو من الناس ، وأطع أخاك وإن عصاك وصله وإن جفاك “
إن تعلل الرافض بالكرامة والكبرياء فإن ذلك من تلبيس الشيطان عليه ، والحقيقةً هو تكبر وتعالي وغرور، ورغبة دفينة ودنيئة في الإنتقام
وفي الحديث لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر وكذلك أفضل الجهاد أن يجاهد الرجل نفسه و هواه
فمهما كان ألم الإساءة فما دام قد اعتذر إليك فاقبل اعتذاره وانسى إساءته ، حتى تقابله بعد ذلك وتتعامل معه بقلب صاف ولا تنس النموذج النبوي في العفو فقد عفا عن كل من أساء إليه أو إلى الإسلام مثل أبي سفيان وزوجته هند ومثل كعب بن زهير ومثل وحشي وخالد واهل الطائف وغيرهم كثير
والإنسان الذي لا يستطع أن يعفو ويصفح هو قاسي القلب عديم الرحمة (فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ)
وقال أيضا : وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ فَلَوْلاَ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ الأنعام: 42، 43















