
ومن الأمثلة المدمرة لتماسك المجتمع تلك التي تدعو إلى الاحتياط من الأقارب “الأقارب عقارب” وفي هذا المثل تبخيس لقيم الترابط الدموي والنظر إلى الأهل نظرة خوف واحتياط وتوقع الشر منهم.
وهذا النفور من الأهل يسايره نفور آخر من الناس كافة، ومواجهة السلوك السلبي البسيط منهم بسلوك عدواني عنيف فيه مبالغة ومنه قولهم “اللي درقك بخيط درقو بحيط” بمعنى من ارتكب في حقك خطأ بسيطا عامله بضعفه أو ابتعد عنه كلية، فأين هو سلوك التراحم والتواد والمغفرة.والتسامح.
إن أغلب الأمثلة تنطلق من تعظم وتبجيل الذات في مقابل احتقار الآخر وتبخيس فعله بنوع من التعالي الواضح لأن واضع المثل يرى نفسه الأحسن والأجود والحكيم في مقابل الآخر الظالم أو الحقير…وهذا تجليه أغلب الأمثلة الشعبية واكتفي هنا بواحد وهو ” “ايلا كنت أنا أمير وأنت أمير، شكون يسوق لحمير؟” أو ليس هذا المثل تضخيم للذات (أنا أمير) وتحقر للآخرين “الحمير” الذين يستحقون أن يساقوا لأنهم فاقدون للعقل، بل فاقدون حتى لخصوصية الحمير أنفسهم وهي درايتهم بالفطرة للطريق واستغناؤهم عمن يسوقهم.
بينما حمير البشر –بحسب المثل- يحتاجون لمن يسوقهم. وهي نظرة طبقية خطيرة تنم عن عشق نرجسي للذات وتحقير لمن سواها ودعوة إلى بقاء الوضع كما هو عليه بمعنى يبقى الأمير أميرا والآخرون حميرا.
ومن الأمثلة الهدامة أيضا قولهم “ايلا بغيت تنسج وتسدي قول للكلب سيدي” هي دعوة صريحة للنفاق والتذلل لذوي السلطة مع نعتهم بالكلاب، وما أظن إلا أن هذه وقاحة في تصنيف أفراد المجتمع، فهل كل من وصل مرتبة ينعت بالكلب وهل كل رجال السلطة كلاب ،وهل تحقيق مصلحة يستوجب النفاق والتذلل واحقارالذات؟ ، كما أن المثل دعوة لترسيخ الزبونية والمحسوبية ونشر ظاهرة التسلق لبلوغ المرامي و امتطاء لمتن النفاق والتذلل لخداع هذا المسؤول المكروه.
وصور كراهية المسؤول أو الكبير أو الشخص الواصل تتعدد فتجعل كل من له وجاهة ومكانة دنيئا والأمثلة المعبرة عن ذلك كثيرة جدا منها “لكبير فالكركاع خاوي” “لبياض وقلة ليدام كي اللبن” “كروش لحرام“.
ولكن الطرف الآخر من ذوي المكانة ليسوا مسالمين بدورهم، وهم يستشهدون بأمثلة تحقر الطبقة الدنيا وتدعوا لتجنبها ومن ذلك المثل القائل”اللي تخلط مع النخالة ينقبو الدجاج” هو دعوة صريحة لتجنب الفئة الضعيفة بل ونعتها بالنخالة حقارة لها، وهناك حقارة أخرى في المثال التالي”احضي راسك من لكلاب ايلا جاعو والجيعانين ايلا شبعو” والمقارنة دائما هي مع الكلاب ولاحظوا كيف أن الميسورين لا يرون الأمان في غيرهم إن شبع وهم يستمدون قوتهم من جوع غيرهم لا من شبعه وهو تجسيد للمثل العربي “جوع كلبك يتبعك”
فلا مصلحة للميسورين في عيش الفقراء عيشا كريما…هذا الصراع و الجدب بين الفئتين في الأمثلة الشعبية هو ما قوى الكراهية بينهما وعمق الهوة وخلق بالتالي نوعا من الحذر المضمر بين الطرفين ، فأثر سلبا على تطور الأمة الذي يستوجب تعاونا بين كل فئاتها بثقة وحسن نية مبنية على التقدير المتبادل وليس على الكره الدفين والتحقير.















