فسحة الطيب بنعبيد

الجزء الاخير.. من ندالة بلباس الحكمة

ويصل تطاول الأمثلة المغربية على الدين منتهاه عندما تنسب لله صفات دنيئة والله تعالى بريء منها، بل لا تليق باسمه تعالى ولا تناسب أسماءه الحسنى ومن ذلك وصفه –وحاشا ذلك- بأنه يستهزئ بخلقه ، ولا يعرف أين يضع صنيعه ومعروفه فيقول المثل ” ربي ما يعطي اللوز غير للي ما عندو ضراس” او ليس هذا المثل تحقير للفعل الإلهي وتنقيص لكمال كرمه وعلمه.وللمثل دلالتين خطيرتين ، اولاهما ان الله يسخر من عباده ، والثانية أنه يظلمهم. وهذا التنقيص من القدر الإلهي يمس عدله تعالى وهو العادل المطلق الذي قال بصيغة المبالغة وما ربك بظلام للعبيد، و نجد مثلا أخر يصب في نفس المعنى و ينقص من هذه الخصلة الربانية التي أمرنا بها ونسبها لخلقه تعالى وهي خصلة العدل والرحمة وهو الرحمان الرحيم. والمثل الخطير هو قولهم ” مادام اليتيمة تبكي وربي يزيدها” في إشارة وقحة إلى أن الله ظالم لليتامى و كلما زاد ظلم وقهر اليتيمة – التي لا حول لها ولا قوة – فإن الله يزيدها عذابا للمتعة والتشفي – والعياذ بالله من هذا القول-.

وهذا التنقيص من القدر الإلهي يصل حتى الحيوانات والحشرات كما هو شأن المثل القائل”منين ربي يبغي يعذب النملة يدير ليها جنحين” فأي سخرية هاته بالذات الإلهية وهل الله يستمتع بتعذيب خلقه والسخرية منهم مع العلم أن الفعل الإلهي لا يمكن ولا يجوز أن يقاس بالفعل البشري والله تعالى كل فعله خير وحاشا أن يعذب أو يسخر أو يقهر أو يهين مخلوقاته وهو الرحمن الرحيم.

إن الأمثلة حكمة الشعوب ومنارها ، تساعد الناس على الاستفادة من تجارب الغير،وتختزلها في كلمات موزونة ، ولكن عددا كبيرا من تجارب الحكماء كانت قاسية وسلبية أدت بصاحبها إلى نسج مثل أو حكمة تجسد هذه السلبية ، ولم يكن من اللازم اعتمادها قاعدة للتعامل مع الحياة ، لأنها استثناء ، والاستثناء لا يقاس عليه، ولأبين ذلك استشهد بما وقع لسيدي قدور العالمي عندما خدعه جيرانه وأصدقاؤه بمكناس فسلبوه بيته وزوجته وماله، فتشرد بطرقات مكناس هائما على وجهه ساخطا على كل أهل مكناس فنظم زجليته القائلة لأهل مكناس:
أش من عار عليكم يا رجال مكناس مشات داري فحماكم ياهل لكرايم
وقراءة لهذا الزجل نجده يتسم بسلبية النظرة لأهل مكناس خصوصا وللإنسان عموما، واعتمادها أمثلة لخبث الناس تعميم غير منصف ، ما دامت مرتبطة بظرف ومكان وقوى فاعلة محددة، ومن غير المقبول اعتبارها حكما يستدل بها المغاربة في كل حال وكل أوان،فهل اهل مكناس دائما غادرون ، وهل كل الجيران مخادعون ، وهل ، وهل ، وهل ، بالطبع لا .

فليس من الانصاف ان نربط صفة الغدر بالمكناسيين لأن رفقة سيدي قدور العلمي غدروه في زمن ولى. ولذا علينا أن نفرق بين الأمثال ذات الحمولة الحكمية التي تنبع من عقل راجح حسن النية حاضر المرامي تلك التي يزخر بها التراث الاسلامي منذ بدء الرسالة ، فكانت مركبا اوصل الامة لشاطىء النجاة .وبين الأمثال الظرفية ذات الحمولة الانفعالية الحاقدة التي افرزها ظرف قاهر،فخرجت سوداوية الرؤيا دنيئة الرسالة خبيثة التوجه.

فهي غير نابعة من العقل الفاعل بل من الانفعال القاتل بيد أننا في مجتمعنا المغربي بل والعربي عموما ننطلق منها لنبرر سلوكاتنا العدائية وتصرفاتنا الخبيثة في ضرب واضح لخصوصيات الأمة الإسلامية المبنية على الحب والتسامح والعفو والتضامن…
لذا أوجه دعوة للضمائر الحية والواعية من أمتنا وهي ان نغربل امثلتنا من كل ما يضر بالأمة والدين والمجتمع فتنسى وتتناسى أمثال هذه الحكم والأمثلة الهدامة ولا ننقلها للأجيال اللاحقة حتى لا تصبح قاعدة للسلوك السلبي المبرربها فتدمر ولا تبني.

وعلينا تحمل مسؤولية زرع القيم السامية في أبنائنا ، وتعريفهم بفضائل الإسلام ، وحثهم على مكارم الأخلاق ، ولكن هذا لن يتأتى لنا ونحن نورثهم حكما هدامة مثل التي وردت في الموضوع وهي كثيرة جدا.، ولذا أدعو كل المغاربة لتحمل رسالة التربية بتوظيف كل ما يخدم هذا التوجه النبيل من أمثلة رفيعة حكيمة مع تجنب كل ما من شأنه أن يفسد أبناءنا ..ومن هنا يصبح التخلي عن مثل هذه الأمثال الهدامة واجب تربوي وأخلاقي وإنساني وإسلامي.

وقد استعرضت عددا من أمثلة العالم من خلال كتب مختصة فوجدتها من روائع الحكم ما تمسك بها انسان الا وانارت دربه وحفزته على القيم والجد والمثابرة .فاعتراني حزن شديد وانا اقارن بين روعتها ودناءة عدد من الامثال المغربية مثل التي ذكرتها ..
ورسالتي موجهة أيضا.لأهل الفن ، فقد ظهرت مسلسلات وأفلام تغرف من معين الأمثال المغربية مثل حديدان ، رمانة وبرطال ، كيد النسا ، خنيفيست الرماد …وغيرها من الأعمال التي تستحق كل التنويه والتقدير، وفيها من الحكم ما يشفي غليل المهتم ، غير ان فيها أيضا أمثلة من هذا النوع الهدام وظفت بحسن نية ، ولذا أرجو من المهتمين بهذا النوع من الأفلام انتقاء الأمثال البناءة ، وعدم ذكر الهدامة حتى لاتبقى خالدة ببقاء الشريط . فهي رسالة علينا كلنا

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى