
نغوص عميقا في متاهات الفكر باحثين ، عن أسباب سلبية أمتنا فنتسلح بالاحصائيات والدراسات والأرقام فلا نكون قد جانبنا الصواب وإنما نكون قد تغافلنا عن سبب جوهري ، وهو السلبية تمكن من لاشعورنا وسيطر على سلوكنا فكان بحق من أخطر أسباب سلبيتنا في أمتنا وتنصلنا من مسؤولياتنا الجسيمة ، والسبب قد يبدو غريبا بيد أنه حقيقي وهو إنصياعنا لضمير المتكلم أنا وضميري الغائب هو وهم .
ضمير المتكلم (أنا) : لقد سادت في مجتمعنا القولة السائدة التي تتعوذ بالضمير (أنا) 🙁 أعوذ بالله من قولة أنا) وكذا القولة السائدة التي تنسب الأنا لزوجة إبليس (أنا مَــرْت إبليس) في وعي جماعي بسلبية الضمير أنا بكل حمولاته الأنانية السلطوية و التكبرية…
غير أن هذا الوعي لم يحل دون استعماله بشكل كبير إلى درجة القرف، استعمال فيه ما فيه من الدلالات والرموز والخلفيات ودراسة متفحصة لاستعمالاته عند العرب تبين أنه يتأرجح بين موقفين متقابلين متعارضين هما موقف القوة القصوى وموقف الضعف الشديد..
ففي الاستعمال الأول نجد الأدب العربي يعج بالضمير أنا وتبعاته كتاء المتكلم وياك المتكلم وخصوصا في شعر الفخر والتباهي بالقوة والبطولة والمكانة ومن ذلك:
قول الحجاج: أَنَا ابنُ جَلَا وطَلَّاعُ الثَّنَايَا = متَى أضَعِ العِمامَةَ تَعرِفُوني.
و المتنبي : أنا من نظر الأعمى إلى شعره=وأنطقت كلماتي من به صمم.
و أبي العلاء: وإني وان كنت الأخير زمانه= لآت بما لم تستطعه الأوائل
و عنترة : يخبرك من شهد الوقيعة أنني =أغشى الوغى وأعف عند المغنم.
وقوله : ولو أرســلت رمحـــي مع جبــــان = لكــان بهيبتي يلقى الســباعا
وكقول المتنبي: لاَ بِقَوْمِي شَرُفْتُ بَلْ شَرُفُوا بِي = وَبِنَفْسِي فَخَرْتُ لاَ بِجُدُودِي
وما حاجتي للنور والنور كامن = بنفسي لا ظل عليه ولا ستر
وغيرهم كثير والغريب في الأمر أن هذا الضمير يتضخم حتى يخفي ويتنكر للآخر فينسب المتكبرمن الفرسان أو المجاهدين مثلا البطولة والكفاح له وحده مهمشا كل من معه ويقصى المئات أوالآلاف من المكافحين المباشرين وهو ما يحكيه قدماء المحاربين عندنا عندما يقول لك أحدهم :(حاربت الإستعمار أو قتلت الألمان أو حاربت في لاندوشين) وتتردد العبارة على لسان عدد من الحكام عندما ينسبون جلائل الأعمال لهم في إقصاء لكل من ساهم فيه من أفراد الأمة…هي صور تتكرر في التباهي والعلو وتتخد أنماط متنوعة في مجتمعنا ،وقد قال أحد الحكماء:( إذا رأيت شخصين قد أطالا الحديث بينهما ولم يفترقا فاعلم بأن كل واحد منهما يتحدث عن نفسه.)















