
هم: ضمير مخيف يستبطن الشر والانحراف والظلم والخوف فيستعمله المتحدث ليستحضر الآخر القاهر أو الظالم أو المتحكم. ونجد استعماله في المجتمع يرتبط بهذا التطور فنقول منكسرين ومعبرين عن الخيبة: (هوما ما عطاونيش حقي – هوما ما خلاونيش- هوما رفضو طلبي- ..) فإذا سألته من هم ؟ لا يجيب لأنه لا يعرفهم أصلا ، والغريب أنه حتى إذا كان يعرف الجهة المانعة لحقه فهو ينسب الفعل إلى الغائب رغم أن الفاعل قد يكون واحدا معروفا…والفكرة تغرس في نفس الطفل منذ صغره ، ومن ذلك قول التلميذ مثلا لأستاذه ساعة الفرض: “أستاذ لم أفهم ماذا طلبوا منا في السؤال؟” مع العلم بأن التلميذ يدرك تمام الادراك أن صاحب السؤال هو الأستاذ الماثل أمامه وكان من المفروض أن يقول له: “لم أفهم ماذا تطلب منا؟ فلماذا استعمل الغائب الجمع ( هم) …إن اللاشعور الجماعي لدى مجتمعنا ينسب كل فعل مخيف أو مؤلم أو معارض لرغباتنا إلى الغائب رغم حضوره الواقعي..ونادرا ما يستعمل الجمع الغائب في الفعل الايجابي ،ولاحظوا معي هذه المفارقة في توظيف الضميرين ..فعندما لا يتوصل الموظف بأجرته مثلا يقول ( مازال ما خلصوناش ) وعندما يتوصل بها يقول ( جات المانضا أو دخل لحساب ) فينسب المنع للغائب هم بينما ينسب العطاء للجماد بمعنى انهم هم من امتنع عن اداء الاجرة بينما الاجرة هي التي جاءت فلا ينسب العمل الايجابي للضمير( هم)
إن استعمال الغائب قد يكون مقبولا في عدد من الاستعمالات لتحاشي الفاعل لعدم أهميته في مقابل أهمية الفعل ولكن هذا الاستعمال يكون غير مقبول عندما يكون الفاعل واحدا معروفا فننسبه للغائب الجماعة( طلبوا مني وثيقة) قالوا لينا نجيبوا لفلوس..) رغم ان طالب الوثيقة والمال معروف ..
بينما في الاستعمال الغربي المتداول لا نجد هذا التوظيف المبهم ، فيقول القائل (ان موظف مكتب كذا طلب مني كذا ) بكثير من الدقة التي تصل أحيانا إلى ذكر أسماء الآخرين كقولهم : إن القاضي فلان أو الشرطي فلان أو الرئيس فلان منع أو أمر أو طلب مني كذا) ….ولترسيخ هذا الاستعمال نجد عددا كبيرا من المؤسسات تطلب من موظفيها كتابة اسمهم إما على الباب أو على المكتب أو في ملابسهم ليراها المواطن ويتعامل معهم مباشرة ، فيخاطب الزبون النادل أو العامل أو المسؤول أو الموظف باسمه الشخصي المكتوب على صدره او على المكتب …،
أما نحن فإننا نتعامل مع الغائب المجهول وليس مع الحاضرالمخاطب، فيبدو لك الموظف أمامك شبحا مخيفا لا يخدم مصالحك وإنما يعوقها، وحتى الموظف الماثل أمامك – في الغالب الشائع- لا يعاملك كمواطن محترم صاحب حق وإنما كزائر ثقيل لاحق له ، فيكون فظا في المعاملة خشن الطباع سريع الغضب .. وحتى إن تعامل معك بشكل طبيعي فهو لا يطلب منك احضار وثيقة ما له بل إحضارها ل(هم) ؟؟؟. وهذا ليبعد إنفعالك عنه ويبدو لك بريئا لأنه شخصيا لا يطلب منك شيئا بل ينفذ أوامرهم















