
أما في الاستعمال الثاني النقيض للتباهي والتفاخر، نجد الضمير أنا يصل إلى أدنى مستوى القهر والذل والحقارة وهو ما يتجلى في الشعر العربي في شعر الاعتذاروالإستعطاف كقول كعب:
لقد نبئت أن رسول الله أوعدني = والعفو عند رسول الله مأمول.
وهو استعمال تفنن فيه الفقراء والمتسولون والمتسلقون إلى درجة إحترافية خطيرة فهم يحيطون الأنا بكل صور الألم والمعاناة والقهر والمسكنة لإستدرار عطف الآخر وسحب حاجاتهم منه بدموع الأنا المقهورة.
ومنه قول الوزير المصحفي مستعطفا عقبة المنصور بقوله متذللا
هبني أسأت فأين الفضل والكرمُ = إذ قادني نحوك الإذعان والندمُ
ياخير من مُدّت الأيدي إليه أما = ترثى لشيخ نعاه عندك القلمُ
وكتب الأدب تحتفظ لنا بروائع من هذا النوع كأشعار كعب بن زهير وقصائد المعتمد بن عباد وغيرهما كثير
وبين (أنا) الأولى المتعالية و(أنا) الثانية الذليلة نقط اختلاف ونقط ائتلاف فالاختلاف هو في مجال الأنا المتناقض (الفخر والمهانة) أما الإئتلاف فهو في الكذب والمبالغة فيهما إذ كلا المجالين يخلوان من الحقيقة ولست أبالغ إذا قلت أننا في عالمنا العربي نتأرجح بينهما ولا نتوسط.
ضميرا الغائب: (هو-هم):
هو : الهو في المفهوم النفسي هو الغريزة المستبطنة والاندفاع الشهواني الذي يرفض العادات والتقاليد والقوانين والعرف ويسعى لإغراق الشخص في الملذات بما يتعارض مع المساطير الزاجرة والقواعد المتوارثة الموضوعة، اما مفهوم الهو عندنا فهو ذلك الآخر المستبد والذي يحرمنا من حريتنا ورغباتنا وهنا يتعارضان فالهو نفسيا هو المحفزالغريزي على المتعة والهو عندنا هو المانع للمتعة والمانع للغريزة ، فحتى الطفل عندما تريد الام منعه من رغبة او عمل ما ، تنسب الرفض للغائب فتقول لإبنها ( إذا فعلت كذا فهو سيعذبك أو سيقتلك أو سيذبحك ) دون ان توضح من هو المقصود بالغائب ليسرح فكر الطفل في عوالم الجن والغيلان ويمتنع عن رغبته لأن ذلك الغائب (هو) لا يريد ذلك….
فالهو نفسيا هو المتحدي للقوانين المغري بالغريزة أما الهو عندنا فهو الخالق لهذه القوانين المانعة والمعارض للرغبات والأحلام.ويزداد هذا الضمير غلوا عندما يصبح جمعا














