
رياض الفرطوسي
في رحلة البحث عن المعنى، نكتشف أن الوطن ليس مجرد مساحة جغرافية، بل هو الحالة التي يشعر فيها المرء بـ “خفة قلبه”. فالقلب يخفق طمأنينةً حين يستظل بسقف قانون عادل ويقينٍ بمستقبل مرسوم، لكنه يرتجف قلقاً حين يصبح مصيره رهيناً لمزاجٍ عابر أو فكرة ضيقة تحاول صياغة الوجود وفق مقاساتها الخاصة، متناسية أن الإنسان وُلد حراً ليختار مساره.
يقول الفيلسوف جان جاك روسو: “الحرية هي ألا يضطر الإنسان إلى فعل ما لا يريده”، ومن هنا يبدأ الوطن؛ من اللحظة التي يشعر فيها الفرد أن إرادته مصانة، وأن كرامته ليست محلاً للمقايضة. فالدولة في أسمى صورها هي “المؤسسة الراسخة” التي تقف كشجرة وارفة تمنح الظل للجميع، دون أن تفرق بين غصنٍ وآخر، ودون أن تمنَّ على الناس ببديهيات العيش.
لكن الأدب، وبخاصة صرخات الشاعر الكبير عبد الله البردوني، يضعنا أمام مرآة الحقيقة ليرينا الفارق بين “الملاذ” وبين “المتاه”. فعندما يغيب العدل، يصف البردوني مشهداً تضيع فيه الملامح قائلًا:
وتهنا وحكامنا في المتاه.. سباع على خطونا حومُ
يُقيمون قصوراً مداميكها.. لحوم الجماهير والأعظمُ
هذه الصورة الأدبية الصادمة ليست مجرد وصف سياسي، بل هي تحذير أخلاقي من تغليب “الشهوة والمغنم” على مصلحة الإنسان. فالوطن الذي يطمح إليه البشر هو الذي لا تُبنى فيه القصور على أنقاض أحلام الكادحين، ولا تُصادر فيه لقمة العيش لتمويل الترف العابر. إنها دعوة لأن يفهم القائمون على الشأن العام “غضبة الكادحين”، ليس كتهديد، بل كصرخة من أجل التوازن والعدالة.
يرى ألبير كامو أن “الوطن هو المكان الذي نكون فيه في أمان مع أنفسنا”، فإن هذا الأمان يتحطم حين يُسلط “غبي على أظلم”، ( ففي كل ناحية ظالمٌ… غبيٌ يسلطه أظلمُ )وحين يصبح المال هو المحرك الوحيد للقرار. الوطن الحقيقي هو الذي يحرر الإنسان من “عبودية الهوى”، ليجعله مواطناً فاعلاً يساهم في بناء دستوره، ويختار حزبه، ويمارس حقه في الاختلاف دون خوف من غدٍ مجهول أو عينٍ تترصد أنفاسه.
إن الوطن هو “حبل غسيل” ننشر عليه آمالنا، وليس “قيد الانتظار” أو “فخاً للمصير”ينتظر زلاتنا. هو الباب الذي نغلقه متى شئنا لننعم بخصوصية أحزاننا وأفراحنا، وهو القبر الذي نختاره بكرامة حين يحين الرحيل، لا الحفرة المجهولة التي تبتلع هويتنا.
يبقى قول الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) نبراساً يضيء لنا الطريق: “الفقر في الوطن غربة، والغنى في الغربة وطن”. والوطن الحقيقي هو الذي يمنحك “الغنى النفسي” والأمان المادي، فلا تشعر فيه بالاغتراب ولا تتحول فيه إلى “برغي” في آلة صماء. إنه المكان الذي تنام فيه ملء جفونك، وأنت تعلم أن الصباح سيحمل لك شمساً لا تحجبها أسوار الظلم، بل تضيئها ملامح العدالة والحرية.















