كتاب رأي

مونديال قطر 2022 كملتقى للثقافات لتعزيز قيم التسامح بين جماهير العالم

ادريس مغاري باحث في الفكر والقيم الرياضية

إن استعداد قطر لضمان نجاح تنظيمها لهذا المحفل الرياضي العالمي، يمكن مقاربته من خلال مستويين اثنين، بواسطتهما يمكن قياس هذا الاستعداد والتنبئي بنتائجه.

المستوى الأول: ينصرف حصرا إلى حجم الإمكانات المادية واللوجستية التي خُصصت لهذا المحفل، وكقرينة على حجم هذه الإمكانات، وهي أن قطر الآن، استكملت ووفرت كل الشروط المادية واللوجستية، وكل زائر اليوم سيصاب بالانبهار والدهشة من هذا العمران الرياضي العربي الذكي، ولا تفصلنا سوى بضعة أيام معدودة على انطلاق هذا العرس العالمي.

المستوى الثاني: له صلة بطبيعة الثقافة القطرية، الأمر الذي يحيلنا إلى السؤال التالي: هل إمكانات قطر الثقافية، في وُسعها أن تسع الاختلافات والتنوعات الحاصلة في الثقافات الوافدة والزائرة؟

إن الثقافات بطبيعتها داروينية، أي إن بقاء أو فناء أي ثقافة محكوم بنوعية القوة الكامنة فيها، والتاريخ الأنثروبولوجي للثقافات يفصح عن حقيقة مقتضاها أن استمرار واكتساح ثقافة ما لثقافات أجنبية عنها مأتاه من هذه القوة التي تسكن وتتملك الثقافة، وهي القوة الجمالية والإنسية. أي أن الثقافة تستطيع أن تسع الثقافات المختلفة الأخرى من خلال إمكانياتها الذاتية ذي النزعة الإنسانية. بعبارة أخرى، كلما زاد منسوب النزعة الإنسية فيها، كلما زاد مدار قبولها واحترامها للاختلاف والتنوع. وقوام هذه النزعة الإنسانية في الثقافة قائم على مبدأ رئيس، وهو مبدأ التسامح. فمعادلة نجاح أيّ ثقافة تُقدم نفسها للثقافات الوافدة عليها يؤول بالضرورة إلى حجم منسوب قيمة التسامح فيها، فهل الثقافة القطرية مبناها على التسامح؟ والجواب ببساطة: نعم.والقرائن على ذلك كثير: فهي بلد يسع كل القلاّت (الأقليات) الإثنية والثقافية والدينية، ناهيك أن ثقافتها

تمنح باستمرار من القيم العربية والإسلامية الأصيلة. هذه الخصوصيات أمكنت لثقافة التسامح من أن تُبسط بمفاعيلها على كل مناحي الثقافة الوطنية القطرية، وهذا ما جعلها ثقافة عابرة للثقافات بحكم الأبعاد الإنسية التي تسكنها، وهذا سينسف تلك النظرة النمطية التي تستصغر وتحتقر العرب والمسلمين. فأهم ما ستحققه قطر كمكسب ثقافي، هو تغيير رؤية وتمثل الشعوب عن العرب والمسلمين.

إن قيمة التسامح تحتل المركز الرئيس في منظومة القيم الإنسانية، وبذلك أضحت اليوم خيارا ثقافيا استراتيجيا لتعزيز قيم الاعتراف والتعايش والسلام بين شعوب العالم، الأمر الذي حمل كل دول العالم على تفعيل قيم التسامح في مختلف المجالات والفضاءات، خاصة منها، تلك التي تستقطب جماهير من مختلف البقاع. وأكثر فضاء بحاجة أشد إلى التسامح، هو فضاء الملاعب حيث الاختلاف في الميولات والأذواق والانتماءات. وهو اختلاف شديد الحساسية لأنه محكوم بدينامية انفعالية، مأتاها من الحماس المفرط الحاصل بين جماهير الفرق. ناهيك أن الملاعب، من أهم الملتقيات الثقافية على الإطلاق، فالاختلاف بين الجماهير في أعلى تجلياته، فهو حاصل في الجنس والدين واللغة والعادات والجغرافيا، والأشدّ من ذلك كله، أنه حاصل في طرق التعبير عن الفرح والغضب حيث الانفعال والحماس، وهذه الانفعالات يصعب في مواطن كثيرة إلجامها وإحكامها، مما ينتج عنها كثيرا من العنف والشغب. وهنا موضعُ الرهان والتحدي، إذ من الصعب إحلال التسامح بين الانفعالات المتباينة والمتضاربة مقارنة بإحلاله بين الأفكار والقناعات المختلفة. لكنها صعوبة حاصلة حينما يكون الانفعال غير مسبوق بسياج ثقافي يضمن عدم انفلاته، وهو ثقافة التسامح باعتبارها جامعة لقيم الاعتراف والاختلاف والقبول والتعدد، وهذا السياج تُرسي معالمه الثقافة الحاضنة للثقافات الوافدة.

فالتسامح على خلاف غيره من القيم، إذ يترك للمخالف مَساحات شاسعة للتعبير عن آرائه وحماسه وانتماءاته دون إكراه وعنف. فهو تسامح ليس مبناهُ على التنازل، بل على التبادل. فجلّ الجماهير مع التسامح تؤمن بحق أيّ مشجع في التعبير عن حماسه وتشجيعاته بما يضمن الحق عينه للمشجع المنافس. فالتسامح علاقة متبادلة بين أطراف متباينة، أساسها الاحترام والقبول. وهي القيمة المُنافية للتعصب باعتباره لا يتحمّل الاختلاف والتنوع، وبذلك تجده يتوسل الإكراه، ولو اقتضى العنف بكل أشكاله الرمزية والمادية. مقابل توسل التسامح لمبدأ الاعتراف بأحقية وشرعية المخالف في التعبير عن نفسه بما يضمن حق الأطراف الأخرى في تحصيل نفس مَساحات التعبير. ناهيك إلى كون التسامح يتحرى الجوامع المشتركة بين الأطراف المتباينة. فمع التسامح تقتسم الجماهير الرياضية نفس مَساحات التعبير والتشجيع والانفعال والحماس، وهو تعبير مبناهُ على التعدد والاختلاف، وذلك وجه التباين بينها. وتتوافق في تقدير الخلق والإبداع الرياضي مهما كان مصدره، وذلك الوجه الجامع بينها.

فقطر عبر تنظيمها المُحكم استطاعت أن توفر الشروط المادية واللوجستية لضمان نجاح هذا المحفل العالمي. لكن الأكثر من ذلك كله، إن قطر، من خلال ثقافتها وقيمها وتاريخها الحضاري تستطيع أن تحقق ما يزيد من مكاسب عن تنظيمها المُعقلن، باعتباره الرهان الرئيس لنجاح تنظيمها. فثقافتها من شأنها أن تسع كل الاختلافات الحاصلة في الثقافات الوافدة، وبذلك هي تضمن احترام واعتراف وقبول باقي الثقافات على النحو الذي يضمن مناخا ثقافيا يسوده التعايش والاعتراف والسلام.

 فقطر اليوم، ليست قوية فحسب بحجم إمكانياتها المادية واللوجستية، وهذا وجه قوتها المادية, بل أكثر من ذلك كله، فهي قوية بثقافتها باعتبارها رأسمالا رمزيا قوامه الاعتراف والقبول والتسامح، وهذا وجه قوتها الناعمة. فالرياضة اليوم، أضحت ثروة قومية لما لها من عوائد معتبرة تفيض عن حدود اللعبة. فنتائجها لم تعد تقتصر حصرا على البُنى الاقتصادية والاجتماعية والصحية والتربوية والفنية، بل امتدت إلى كونها قابلة إلى أن تستثمر استثمارا محكما في نسج علاقات مع شعوب ودول أخرى على النحو الذي يحقق مكاسب دبلوماسية وثقافية واقتصادية.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى