كتاب رأي

المناطق الصناعية بعمالة مكناس: بين الواقع المتعثر وانتظارات التنمية

كريم خربوش

تُعدّ المناطق الصناعية إحدى الركائز الأساسية لأي مسار تنموي قائم على خلق الثروة وفرص الشغل وتعزيز العدالة المجالية. غير أن وضع هذه المناطق بعمالة مكناس يثير، اليوم، أسئلة عميقة حول اختيارات التخطيط، ونجاعة التدبير، ومدى قدرة السياسات العمومية على تحويل الإمكانات المتاحة إلى دينامية اقتصادية حقيقية.

إن مقاربة هذا الملف لا يمكن أن تتم بمنطق المجاملة أو الاكتفاء بالشعارات العامة، لأن الأمر يتعلق بتراكمات عمرها سنوات، وباختلالات واضحة في الرؤية والتنفيذ، جعلت المدينة خارج الإيقاع الصناعي الذي تعرفه جهات ومدن أخرى.

فمكناس، بما تزخر به من مؤهلات بشرية وموقع استراتيجي وتاريخ اقتصادي، ما تزال تتوفر على عدد محدود من المناطق الصناعية، تعكس في مجملها ضعف الاستغلال وغياب الأثر التنموي المأمول.
وتبرز منطقة أغروبوليس، الممتدة على نحو 130 هكتارًا، كنموذج دال على الفجوة بين الطموح المعلن والواقع الميداني.

فبالرغم من تقديمها كقطب استراتيجي للصناعات الغذائية والفلاحية، فإن نسبة الاستغلال الفعلي تبقى محدودة، وعدد الوحدات المنتجة أقل بكثير من الإمكانات المتاحة، ما يطرح إشكال ملاءمة السياسات المعتمدة مع خصوصيات النسيج الفلاحي المحلي وحاجيات التشغيل.

ولا يختلف الوضع كثيرًا بالمنطقة الصناعية مجاط، التي كان يُفترض أن تشكل متنفسًا استثماريًا جديدًا. إذ تعاني هذه المنطقة من نقائص مرتبطة بالبنية التحتية والخدمات الأساسية، ما انعكس على جاذبيتها الاستثمارية وعلى قدرتها في خلق فرص شغل وازنة، خاصة في مدينة تعرف ضغطًا اجتماعيًا متزايدًا في مجال التشغيل.

أما المنطقة الصناعية بسيدي بوزكري، باعتبارها من أقدم المناطق الصناعية بالمدينة، فتواجه تحديات مرتبطة بتقادم التجهيزات وضعف التأهيل، وهو ما أدى إلى تراجع مردوديتها الاقتصادية والاجتماعية، رغم توفرها على رصيد صناعي مهم.

في حين تظل منطقة سيدي سليمان مول الكيفان مثالًا على محدودية الرؤية في التخطيط، سواء من حيث المساحة أو مستوى التجهيز أو اندماجها في تصور صناعي محلي شامل.
إن قراءة هذه المعطيات مجتمعة تقود إلى استنتاج واضح مفاده أن مكناس لم تستفد بالشكل الكافي من السياسات الصناعية المعتمدة، سواء على المستوى الوطني أو الجهوي أو المحلي.

كما تكشف عن حاجة ملحة إلى مراجعة آليات الحكامة، وتوحيد أجهزة التدبير، واعتماد مؤشرات دقيقة لتتبع الأداء وربط الدعم العمومي بالنتائج المحققة.

فالمسألة، في جوهرها، ليست تقنية فقط، بل تنموية بامتياز. إذ إن استمرار الوضع الحالي ينعكس مباشرة على فرص الشباب، وعلى جاذبية المدينة، وعلى موقعها ضمن الخريطة الاقتصادية الوطنية.

ومن هنا، فإن المطلوب ليس امتيازًا خاصًا، بل إدماجًا فعليًا لمكناس في دينامية صناعية منصفة، تقوم على الاستثمار المنتج، والتأهيل الحقيقي، والتنسيق الفعّال بين مختلف المتدخلين.

إن إعادة الاعتبار للمناطق الصناعية بعمالة مكناس تقتضي إرادة واضحة، ورؤية استراتيجية طويلة النفس، تجعل من الصناعة رافعة حقيقية للتنمية والعدالة المجالية، وتُخرج المدينة من دائرة الانتظار إلى فضاء الفعل والإنجاز.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى