
سناء الكوط
أثار قرار إخضاع جميع مستويات التعليم الابتدائي للامتحان الموحّد موجة من التساؤلات المشروعة حول منطق هذا التوجّه، وجدواه التربوية، وانعكاساته النفسية والبيداغوجية على التلميذ والأسرة على حدّ سواء. فحين يُوضع طفل في المستوى الأول أو الثاني أمام امتحان يحمل صفة “الموحّد”، فإن الأمر لا يتعلق فقط بإجراء تقويمي، بل بقرار ذي أبعاد نفسية وتنظيمية عميقة.
من الناحية النفسية، يُعد مفهوم الامتحان الموحّد في حد ذاته عنصر ضغط قوي، حتى بالنسبة للتلاميذ الأكبر سنًا، فكيف بأطفال لم تتشكل لديهم بعد أدوات التكيّف مع التقييم الرسمي؟ إن تعريض هذه الفئة العمرية المبكرة لمناخ الخوف والترقّب والرهبة يتعارض مع المبادئ الأساسية للتعلّم الأولي، التي تقوم على التحفيز، الاكتشاف، وبناء الثقة في الذات.
أما على مستوى التدبير، فقد كشفت واقعة تسريب الامتحان، وما تبعها من قرار إلغائه وإعادته، عن خلل واضح في منظومة الحكامة التربوية. فبدل أن تتحمّل الجهة المسؤولة تبعات ضعف التأمين والتنظيم، جرى تحميل الكلفة النفسية والزمنية للتلميذ والأسرة، من خلال فرض إعادة الاستعداد والمراجعة والسهر، وكأن الخطأ خطؤهم.
ويزداد هذا الخلل حدة حين نضع القرار في سياقه الزمني، حيث كان من المفترض أن يستفيد التلاميذ من فترة راحة واستجمام بعد مجهود دراسي مكثف، استعدادًا للدورة الثانية. غير أن ما حدث هو العكس تمامًا، إذ تم تمديد حالة التوتر والضغط، في مرحلة عمرية تُعد الأكثر حساسية في تشكيل علاقة الطفل بالمدرسة والتعلّم.
إن إجبار التلميذ على إعادة امتحان لم يكن مسؤولًا عن فشله التنظيمي يُعد شكلًا من أشكال العنف المؤسساتي غير المباشر، الذي لا يُمارَس بالعقاب الجسدي، بل عبر قرارات إدارية تفتقد للبعد الإنساني. وهو عنف صامت قد تكون آثاره بعيدة المدى، من فقدان الثقة في المدرسة، إلى النفور من الدراسة، وصولًا إلى هشاشة نفسية مبكرة.
وفي ضوء هذه المعطيات، يطرح سؤال جوهري نفسه: هل نهدف من الامتحان الموحّد إلى تحسين جودة التعلمات فعلًا، أم إلى ترسيخ منطق شكلي للتقويم، يُقدَّم على حساب مصلحة المتعلّم؟ إن إصلاح المدرسة المغربية لا يمكن أن ينجح دون إعادة ترتيب الأولويات، وجعل الطفل في صلب القرار التربوي، لا الحلقة الأضعف التي تتحمّل نتائج سوء التخطيط.
خلاصة القول، إن أي إصلاح تعليمي حقيقي لا يُقاس بعدد الامتحانات ولا بدرجة توحيدها، بل بمدى قدرتها على بناء مدرسة عادلة، آمنة نفسيًا، ومسؤولة إداريًا، تُحاسِب المقصّر ولا تُعاقب الضحية.













