
يغامر العاشقون للصورة فيضحون بوقتهم وإمكانياتهم لتحقيق المشروع، ليصطدموا بمشكل آخر هو مشكلة الترخيص…إذ أن كل عمل فني موسع يحتاج إلى ترخيص، ولكن السؤال هو من سيمنحك هذا الترخيص … فالوزارة تطلب تصوير أفلام ولكنها لا تمنح رخصا لهذا التصوير، فيضطر المخرج إلى التوجه إلى السلطات المحلية لطلب ترخيص تصوير فلمه، فيرفض المسؤولون بدعوى أن الترخيص ليس من اختصاصهم. ولكنهم في نفس الوقت يمنعون التصوير بدون رخصة، فيتوجه المخرج بطلبه إلى المركز السينمائي المغربي، فلا يمنحه ترخيصا تحت ذريعة أنه ليس خريجا من القنوات التكوينية السينمائية التي يتبناها المركز ويتعامل معها..فيضطر عدد كبير من هؤلاء المخرجين الهواة إلى المغامرة بتصوير شريطهم دون ترخيص، وكثيرا ما حجزت السلطات كاميراتهم أو احتفظت بأفلامهم مع ما يرافق ذلك من إهانات لكرامتهم وتحطيم لحلمهم..
وتقول وزارة التربية بصريح العبارة أنه يمكنكم الاستعانة بتقنيين من خارج المؤسسة التعليمية وهنا مشكلة أخرى … فهل تعرف الوزارة تكلفة هؤلاء التقنيين، إنها تصل إلى مبالغ خيالية تتجاوز ميزانية كل المؤسسة التعليمية ، وخلية الاقتصاد في المؤسسة ترفض التمويل لأن الخانة المخصصة لمثل هذه الأنشطة لا تكاد تذكر وهنا يضطر الأستاذ المخرج الهاوي أن يغامر بإمكانياته المادية التي يضيفها إلى دريهمات المؤسسة كي يوفر الحد الأدنى من الإمكانيات.
وقد يتمكن من إنتاج الفلم بعد مخاض عسير، فيقتحم عالم المهرجانات التربوية ليصطدم بلجنة احترافية تشترط المستحيل على الأفلام المشاركة، مثل جودة الصورة والصوت، احترافية السيناريو والإخراج ، قوة أداء الممثل، دقة الحيز الزمني (15 دقيقة) سلامة المونتاج ودقته، جمالية الجنريك، وأخيرا حداثة الإنتاج…فنتساءل: هل هم يعرفون بأن المنتوج خاص بالتلاميذ ومؤسسات فقيرة ماديا وتقنيا أم أنهم يطلبون المستحيل ويحسبون أنهم أعضاء لجنة تحكيم فلم قصير احترافي؟.
وبعيدا عن كل ذا وذك نطرح تساؤلا ما مصير هذه المنتجات السينمائية من التعليم ووزارة الثقافة، والشباب والرياضة وغيرها.. إنها تبقى حبيسة لجنة التحكيم فلا يتم الإفراج إلا عن الأفلام المحظوظة الفائزة وهي تعد على رؤوس الأصابع، وبعد ذلك تقبر وكأنها ولدت لتموت، وكان من المفروض أن الوزارة الوصية تخلق خزانة لكل الأفلام القصيرة المشاركة في المهرجانات وتصنفها بشكل علمي، وتتركها هناك للتاريخ وللفكر وقد تصبح يوما ما مرجعا معرفيا غنيا رغم ضعف بعضها تقنيا….ويمكننا أن نتساءل لماذا تقام مهرجانات للفلم القصير ولا يحضى بالعرض على الفضائيات والقنوات الأرضية، رغم أن الفلم القصير في العالم الذي يعرف قيمته هو أدق فكرة وأعمق رؤيا وأجل رسالة وأمتع فسحة..ولذلك هناك إقبال على بثه بشكل مضبوط في مواعيد قارة، وحتى في أوقات ذروة المشاهدة، لأن الإنسان المعاصر لم يعد يجد وقتا للاستمتاع بشريط سينمائي في 90 دقيقة، ولكنه يقتطع من وقته بعض أجزاء الساعة لمشاهدة الفلم القصير فيحصل على متعة الصورة وعمق الفكرة …أما نحن فإن الفلم القصير ينظر إليه أنه تجربة مخرج ثلاثية تؤهله لاقتحام عالم الفلم الطويل ليس إلا .
إن ثقافة الصورة وقيمتها لازالت بعيدة عن عقلية المغاربة وحتى المثقفين منهم والدليل على ذلك أن أكبر معضلة تعترض المخرج هي تمويل الفلم، فالمنتج يلتجئ للشركات الكبرى قصد طلب التمويل في مقابل عروض اشهارية مغرية وسخية جدا، فتواجه طلباته من طرف مدراء الشركات أو نوابهم بكثير من الاستغراب أحيانا والسخرية أخرى وقد تصل أحيانا الى الطرد الذكي، بدعوى أن هذا النوع من الشراكة غير مربح للشركة في غفلة عن التطور العالمي في هذا المجال.
وفي نهاية المطاف نفترض بأن الفلم أنتج وبتقنيات جيدة وسيناريو محكم ونال رضى اللجنة المتحيزة غالبا فماذا سينال مبدعه؟ …سيتم استدعاؤه للمنصة في غياب للإعلام الرسمي غالبا وستقدم له شهادة ورقية، وشعار المهرجان وربما صينية أو براد أو طاجين مع تصفيقات الجمهور.وسيكون هذا اخر عهد لشريطه بالجمهور.















