فسحة الطيب بنعبيد

ابناؤنا وقتل العلاقات الاجتماعية “تتمة”

لقد أصبح أبناؤنا مصدر إزعاج في كثير من الأماكن والمواقف والحالات ومن ذلك مثلا: اصطحاب أطفال صغار جدا الى المساجد فلا ينضبطون ولا يتعلمون الصلاة بل يلعبون بها ويخلفون فوضى ويزعجون المصلين الذين يتحاشون نهرهم تجنبا للاصطدام مع آبائهم. والشيء نفسه في المقاهي والمطاعم وقاعات السينما وغيرها، فالطفل يتصرف بعفوية ووالداه متعودان على شططه ولكن ما ذنب الآخر ليتحمل سلوكات غير لبقة وغير مؤدبة ووقحة، فهذا بدون شك سبب في خلق خلافات بين الناس، ولكن الملام هنا هم الآباء وليس الأبناء.

وجرت العادة أن يحضر المدعوان لوليمة أو عرس أبناءهما فيخلفون الفوضى في القاعة وعلى موائد الطعام ويفسدون العرس عن غير قصد. وهذا ما يدفع ببعض الأزواج الى اشتراط عدم إحضار الأطفال في العرس. وبدل أن تتفهم الأسر الموقف بحكمة فإن عددا مهما يمتنع أصلا عن الحضور، إذ يعتبرون عدم حضور أبنائهم تنقيص لمكانتهم ككل، وقد تحدث قطيعة أحيانا في حالة الاحتقان.

عن هذا الفيروس الجديد الذي أصبح يدمر العلاقات السري انتقل حتى للعلاقات العامة ، ذلك أن جلسات الحوار الثقافي غابت لتحل محلها جلسات التباهي والتفاخر بالأبناء. فما يكاد يجتمع والدان حتلى يبدأ كل بتعداد خصال ابنه ومستملحاته وطموحاته وانجازاته بتفاخر فضيع فلا يكتفي بذلك بل يخرج كل منهم هاتفه ويبدأ في عرض صورا لابنه على الحاضرين وهو يمدح ويبتسم ويعتقد انهم مهتمون بابنه .

والحق أن لا يهمهم في شيء، فيسود الملل في الجلسة ويدب الاشمئزاز من الآخر، فمن الطبيعي أن يحب الأب ابنه ولكن ليس من الطبيعي ولا من المعقول أن يفرض إبنه على الآخرين تمجيدا وتفاخرا ومباهاة، ولا شك أن مثل هذه السلوكات المنتشرة تخلق نوعا من التباعد بين الناس والخطير في الموضوع أن مجال الحديث عن البناء والتباهي بهم وبسلوكاتهم تجاوز المجالس الخاصة ليلج العامة، ففي كثير من اللقاءات الثقافية والتربوية والمجتمعية يستعرض بعض المتدخلين سير أبنائهم كأمثلة ايجابية لتزكية النقاش والحوار وهذا يسقط قيمة التدخل ويطبع وجوه الحاضرين بمسحة السخرية من المتدخل.
والنقطة الأخيرة التي سأتطرق لها في هذا الموضوع هي التوظيف الدنيء لبراءة الأطفال في التباهي والتفاخر بين الأسر وإذكاء الكراهية والخلاف..ذلك أن عددا من الآباء يشترون لأبنائهم أجهزة جد متطورة (العاب، حواسب، هواتف،…) ويتعمدون أن يظهرها ابنهم لأبناء الآخرين فيطالبون بدورهم أسرهم بها.

وإذا كانت الأسرة متوسطة الحال أو فقيرة فإن هذا التصرف يضرب كرامتها في الصميم ويحقرها في نظر أبنائها .
ومن خلال كل ما سبق وغيره نلاحظ بأن أبناءنا تحولوا الى سلاح فتاك يدمر العلاقات الاجتماعية ولكنهم أبرياء، لان الذي وظف هذا السلاح هي الأسرة نفسها ولذلك علينا أن نراجع سلوكاتنا التربوية وسلوكات أبنائنا وننقد ما يمكن اتقاده قبل حصول الفاجعة التي بدأت علاماتها في مجتمعنا وعلاقاتنا المتدهورة به بسببهم

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى