
برعي محمد
لم يكن التئام فعاليات الفيدرالية الوطنية لجمعيات أمهات وآباء وأولياء التلميذات والتلاميذ بالمغرب في العاصمة الإسماعيلية مكناس مجرد محطة تنظيمية روتينية، بل جاء بمثابة وقفة تأمل واستشراف في مسار المنظومة التربوية المغربية. فالرجوع إلى مكناس، كما ذكر رئيس المكتب الوطني السيد مصطفى الصاين، هو رجوع إلى «مهد التأسيس» واستحضار لتاريخ نضالي مدني امتد لعقود، في لحظة تفرض فيها التحولات الراهنة للمدرسة المغربية إعادة تعريف أدوار الشركاء ومسؤولياتهم المجتمعية.
- سياق تربوي دقيق وأوراش إصلاحية كبرى:
ينعقد هذا الملتقى الوطني في ظل سياق تعليمي استثنائي تطبعه تنزيلات القانون الإطار 51.17، ومقتضيات خارطة الطريق 2022-2026، وتوسيع شبكة «مدارس الريادة»، والمشروع المندمج للمؤسسة. وهي أوراش تجعل من جودة التعلمات، والإنصاف، وتكافؤ الفرص، ومحاربة الهدر المدرسي غايات كبرى لا يمكن أن تبلغ أهدافها بمعزل عن الحاضنة الأسرية والمجتمعية.
إن المدرسة المغربية، كما نصت على ذلك رسالة الفيدرالية الوطنية بمناسبة اليوم الوطني (30 شتنبر 2026)، لم تعد قطاعا حكوميا معزولا أو جدرانا مغلقة، بل هي «مسؤولية مجتمعية مشتركة تتقاطع فيها أدوار الدولة والأسرة والمجتمع المدني». ومن هذا المنطلق تحديدا، تتجلى قيمة الملتقى في كونه منصة لترجمة هذه الشراكة من حيز النوايا إلى فضاء الفعل والترافع المسؤول. - من “جمعية الدعم الظرفي” إلى “الشريك الاستراتيجي”: مكتسبات القانون 59.21
أبرزت النقاشات والمداخلات الافتتاحية نضجا ملحوظا في الخطاب الترافعي لجمعيات الآباء؛ فالحاجة اليوم أضحت ملحة لتجاوز النظرة التقليدية الضيقة التي تحصر جمعية الآباء في تقديم الدعم المادي الظرفي أو المساهمة في الأنشطة الموازية، نحو تكريس موقعها كـ فاعل مدني مؤثر، وقوة اقتراح وترافع.
وهنا تبرز الأهمية التاريخية لصدور القانون رقم 59.21 المتعلق بالتعليم المدرسي، الذي شكّل منعطفا حاسما في مأسسة العلاقة بين جمعيات أمهات وآباء وأولياء التلاميذ والمؤسسات التعليمية:
- المأسسة والتشاور الوطني: كرس القانون حضور الهيئات الممثلة للأسر ضمن إطار وطني رسمي للتشاور في قضايا التعليم المدرسي.
- المشاركة في أجهزة الحكامة والقيادة: فتح المجال واسعاً لتعزيز حضور جمعيات الآباء في مجالس التدبير، والمجالس التربوية، ولجان قيادة المشاريع الإصلاحية، والمجالس الإدارية للأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين (AREF)، والمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي.
- الاندماج في مشروع المؤسسة المندمج: ربط برامج عمل الجمعيات بمشروع المؤسسة باعتباره الأداة الميدانية الأنجع لتنزيل الإصلاح وتحقيق جودة الحياة المدرسية.
- استقلالية العمل الجمعوي وتحصين الممارسة المدنية:
لعل من أقوى الرسائل التي وجهتها الفيدرالية الوطنية بالتزامن مع محطاتها التنظيمية، هي ضرورة «تحصين العمل الجمعوي». فلا يمكن لجمعيات الآباء أن تلعب دور الشريك الحقيقي ما لم تحافظ على استقلاليتها التامة عن كل أشكال التوظيف الشخصي، أو الحزبي، أو النقابي، مع الالتزام الصارم بقواعد الديمقراطية الداخلية، واحترام الأجهزة المنتخبة، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
إن قوة جمعيات الآباء تستمد بريقها من التفاف الأسر حولها وانخراطهم الفعلي في هياكلها، لتكون صوتا أمينا لتطلعات التلميذات والتلاميذ ودرعا واقيا للمدرسة العمومية الوطنية. - نموذج الالتقائية بمكناس: رسائل وتطلعات:
قدمت التجربة التنظيمية للملتقى بمكناس درساعمليا في مفهوم «الالتقائية الميدانية»؛ حيث كان للتنسيق الإيجابي بين الفيدرالية الإقليمية بمكناس والمديرية الإقليمية للتعليم، والمجلس الجماعي، والسلطات الترابية تحت إشراف السيد عامل العمالة، أثر بالغ في إنجاح الحدث. وهو ما ذكره السيد رئيس الفيدرالية الإقليمية بمكناس ،هذا النموذج التشاركي المحلي هو بالضبط ما تحتاجه كل مؤسسة تعليمية عبر ربوع الوطن: تحالف وثيق بين المدرسة، والجماعة الترابية، والسلطة، والأسرة، لخدمة الغاية الأسمى.
خلاصة:
يؤكد ملتقى مكناس الوطني أن الفيدرالية الوطنية لجمعيات أمهات وآباء وأولياء التلاميذ بالمغرب ليست على هامش الإصلاح، بل في قلبه ونواته الصلبة. وكما تفضل رئيس المجلس الوطني السيد جواد الحسناوي، فإن الارتقاء بأداء المنظومة رهان جماعي، والرابح الأكبر منه هو التلميذ(ة) المغربي(ة) ونهضة الوطن.
إن الوفاء لروح «مهد التأسيس» بمكناس يقتضي اليوم مواصلة هذا النفس الوحدوي، وترجمة مقتضيات القانون 59.21 ورسالة 30 شتنبر إلى برامج ترافعية يومية، دفاعاً عن مدرسة عمومية متجددة، منصفة، ودامجة لكل أبناء المغاربة















