
محفوظ قرنوف
مراسل صحفي منذ سنة 1986
ليست الصحافة مجرد ميكروفون يرفع أمام المسؤول، ولا كاميرا توجه نحو المتحدث، ولا هاتف يُستعمل لتسجيل التصريحات ونشرها على عجل. الصحافة، في جوهرها، فكر وموقف ومسؤولية، وقبل ذلك كله قلم نزيه يحمل هم المجتمع وينقل نبض المواطن.
منذ سنة 1986، وأنا أمارس مهنة الصحافة كمراسل لعدد من الجرائد الوطنية والجهوية ، عايشت خلالها تحولات كثيرة في المشهد الإعلامي والسياسي. وقد علمتني هذه التجربة أن الكلمة الصحفية الحقيقية لا تقاس بسرعة النشر، وإنما بعمق التحليل، وصدق المعلومة، وشجاعة التعبير.
اليوم، ونحن نتابع المشهد السياسي، خصوصا خلال المحطات الانتخابية والمفاوضات المتعلقة بتشكيل الأغلبية الحكومية، نلاحظ كيف تتحرك الأحزاب وتتفاوض حول المناصب والمسؤوليات، وكيف تتصدر اللقاءات والتصريحات عناوين الأخبار.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: أين هو دور الصحافة في كل هذا؟
إن الصحفي الحقيقي ليس مجرد ناقل لما يقوله السياسي، بل هو من يطرح الأسئلة التي قد لا يرغب السياسي في سماعها، ويضع الوقائع أمام الرأي العام، ويفتح النقاش حول القضايا التي تهم المواطن.
لقد أصبحنا في حاجة إلى استعادة قيمة القلم الصحفي، وإلى إعلام لا يكتفي بتصوير الحدث، بل يفكك خلفياته ويشرح أبعاده ويمنح القارئ فرصة التفكير والحكم بنفسه.
فحين نتحدث عن شراء الأصوات، وعن المواطن الذي يبيع صوته مقابل مبلغ زهيد، وعن الأحزاب التي تنشغل بتقاسم المسؤوليات بعد الانتخابات، فإن دور الصحافة لا ينبغي أن يتوقف عند نقل التصريحات، بل يمتد إلى مساءلة جميع الأطراف، دون استثناء.
المواطن مسؤول عن اختياره، والمنتخب مسؤول عن وعوده، والصحافة مسؤولة عن نقل الحقيقة وإبقاء النقاش العمومي حيا ؛
إننا لا نحتاج إلى صحافة تردد ما يقال، بل إلى صحافة تسأل: لماذا قيل؟ وما أثره؟ ومن المستفيد؟ وأين مصلحة المواطن؟
لقد كان القلم في زمن مضى وسيلة للتنوير والتوعية، ولا ينبغي أن يتحول اليوم إلى مجرد شاهد صامت على الأحداث.
فالصحافة التي لا تفكر ولا تحلل ولا تسائل، تفقد جزءا أساسياً من رسالتها.
أما الصحفي الذي يحمل قلمه بنزاهة، فإنه لا يخدم حزبا ولا مسؤولا، بل يخدم الحقيقة وحق المواطن في المعرفة.
وهذا هو الفرق بين من يمارس التصوير، ومن يمارس الصحافة.














