
توفيق اجانا
كشفت جريدة “المستقل”، في مقال صحفي، عن معطيات وصفتها بالحصرية، تتعلق بشبهة وجود اختلالات قانونية وإدارية في إصدار رخصة تحويل خاصة بأحد المقاهي بمدينة مكناس، مع الإشارة إلى احتمال تجاوز حدود التفويض الممنوح لأحد نواب رئيس جماعة مكناس، فضلا عن الحديث عن اختلالات تعميرية وتدبيرية تستوجب، إذا ثبتت، الوقوف عندها من قبل الجهات المختصة.
وإذا كانت هذه المعطيات، في حال ثبوتها، تطرح تساؤلات جدية حول مدى احترام المساطر القانونية المنظمة لمنح الرخص الإدارية، فإن التعامل معها يجب أن يتم وفق منطق دولة المؤسسات والقانون، بعيدا عن إصدار الأحكام المسبقة أو إدانة أي طرف قبل استكمال الأبحاث والتحقيقات اللازمة.
إن ما نشرته جريدة “المستقل” يفرض، من منطلق المسؤولية وحماية المصلحة العامة، تحركا من الجهات المختصة لفتح تحقيق إداري وقانوني شفاف ومستقل، قصد التحقق من صحة الوقائع المتداولة، والوقوف على مدى احترام الاختصاصات والتفويضات والإجراءات القانونية المؤطرة لمنح الرخص، وترتيب الآثار القانونية المناسبة إذا ثبت وجود أي تجاوز.
ولا يتعلق الأمر هنا بإدانة أشخاص أو مؤسسات، وإنما بتفعيل آليات الرقابة التي يخولها القانون للإدارة ولمؤسسات الحكامة والرقابة، بما يضمن حماية المرفق العمومي وصيانة المال العام وتعزيز ثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة.
كما أن ما ورد في المقال بشأن أداء الشرطة الإدارية، إذا ثبتت صحته، يستوجب بدوره تقييما موضوعيا لمدى انسجام تدخلاتها مع الأولويات الحقيقية للمدينة، خاصة خلال فصل الصيف الذي يعرف ضغطا متزايدا على مستوى مراقبة المسابح، ومحلات الأكل، والأنشطة الموسمية، وكل ما يرتبط بحماية الصحة والسلامة العامة.
إن الشفافية في تدبير الشأن المحلي لا تتحقق بالصمت أمام ما يثار من معطيات، وإنما بالمبادرة إلى البحث والتدقيق والكشف عن الحقيقة للرأي العام. فكلما تعلق الأمر بشبهات تمس تدبير المرافق العمومية أو منح الرخص الإدارية، يصبح من واجب الجهات المختصة التدخل للتحقق من الوقائع، حماية للمؤسسات قبل الأشخاص.
ومن هذا المنطلق، فإننا ندعو السلطات الإدارية المختصة، وعامل عمالة مكناس، والمفتشية العامة للإدارة الترابية، وكذا المجلس الجهوي للحسابات، كل في حدود اختصاصاته القانونية، إلى التفاعل مع ما نشرته جريدة “المستقل”، وفتح الأبحاث اللازمة للتأكد من صحة ما ورد، وترتيب المسؤوليات إذا ثبت وجود أي خرق للقانون، أو إعلان نتائج التحقيق للرأي العام إذا تبين عكس ذلك.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه مدينة مكناس ليس مجرد نشر معطيات تتحدث عن اختلالات محتملة، وإنما غياب التفاعل المؤسساتي معها. فإذا كانت الوقائع التي كشفتها جريدة “المستقل” صحيحة، فإن الأمر يستوجب تطبيق القانون بكل حزم وربط المسؤولية بالمحاسبة. أما إذا كانت تلك المعطيات غير دقيقة، فإن التحقيق الرسمي وحده كفيل بتبديد الشكوك وصون سمعة المؤسسات والأشخاص.
ويبقى الجميع، دون استثناء، متمتعا بقرينة البراءة إلى أن تثبت المسؤولية وفق القانون، غير أن هذه القرينة لا تتعارض مع ضرورة فتح تحقيق كلما تعلق الأمر بمعطيات تهم تدبير الشأن العام. فسيادة القانون تقتضي أن يكون التحقيق هو الفيصل، وأن تكون الحقيقة هي المرجع، بعيدا عن كل الحسابات أو التأويلات، خدمة للمصلحة العامة وترسيخا لقيم الشفافية والحكامة الجيدة.
المصدر : جريدة المستقل




