اش واقع فمدينتي

خارج المستطيل الأخضر: عندما يسقط الاحترام في ملاعب كأس إفريقيا

توفيق اجانا

في لحظات كروية يُفترض أن تُجسّد أسمى قيم الرياضة وروح التنافس الشريف، تتحول بعض السلوكيات إلى مرآة كاشفة لأزمة أخلاقية أعمق، وهو ما تختزنه الصورة المتداولة وما يرافقها من معطيات ودلالات. فالمشهد لا يتعلق فقط بلقطة عابرة داخل رقعة الملعب، بل بتقاطع رمزي بين الاحترام، والقدوة، ومعنى الانتماء الإفريقي المشترك.

تُظهر الصورة رجلًا من الجماهير الإفريقية، يقف بوقار وسط المدرجات ويرفع يده في تحية صامتة، تحية إنسانية خالصة تجاوزت حدود التشجيع الرياضي لتلامس جوهر القيم النبيلة التي قامت عليها كرة القدم. هذا الرجل، دون خطابات ولا شعارات، دخل قلوب المغاربة لأنه عبّر بعفوية عن روح رياضية عالية، وعن احترام صادق للمنافس، في وقت كانت فيه الحاجة ماسة لمثل هذه الصور المضيئة داخل ملاعب القارة.
في المقابل، توثق اللقطات الأخرى سلوكًا مستفزًا وغير مسؤول من بعض اللاعبين، سلوكًا يتنافى كليًا مع أبسط قواعد الاحترام، ولا ينسجم مع المكانة الرمزية التي يحتلها لاعب كرة القدم باعتباره قدوة للشباب وواجهة لبلده وقارته. هنا لا يتعلق الأمر بنتيجة مباراة أو لحظة انفعال عابرة، بل بانزلاق أخلاقي يُفرغ المنافسة من بعدها القيمي، ويحوّل الرياضة من مساحة للتقارب إلى ساحة للاستخفاف والاستفزاز.

التحليل في هذا السياق لا ينصب على الربح أو الخسارة، بل على الرسائل التي تُبث عبر الصورة والسلوك. فعندما يفشل اللاعب في تمثيل القيم الرياضية، فإنه يخسر ما هو أهم من النقاط والألقاب: يخسر احترام الجماهير وذاكرة الشعوب. وهذا ما يفسر موجة الاستياء الواسعة التي أعقبت هذه التصرفات، ليس في المغرب فقط، بل لدى فئات واسعة من الجمهور الإفريقي التي ما تزال تؤمن بأن كرة القدم رسالة قبل أن تكون استعراضًا.

ومن زاوية أعمق، تعكس هذه الواقعة خللًا واضحًا في منظومة التربية الرياضية لدى بعض اللاعبين، حيث تغيب المسؤولية الأخلاقية ويُستبدل التنافس الشريف بسلوكيات “هوك” لا تليق لا بتاريخ كرة القدم الإفريقية ولا بحجم بطولة قارية من قيمة كأس إفريقيا للأمم. فهؤلاء، مهما بلغت مهاراتهم داخل المستطيل الأخضر، خسروا احترام جزء كبير من القارة، لأن الاحترام لا يُسجَّل في لوحة النتائج، بل يُرسَّخ في الوجدان الجماعي.

في المقابل، يبرز البعد الإنساني والسياسي-الوجداني في الإشادة بأبناء الكونغو الديمقراطية، الدولة الصديقة والداعمة لقضايا المملكة المغربية، وعلى رأسها قضية الوحدة الترابية. هنا تتجاوز كرة القدم بعدها الرياضي لتصبح قناة رمزية للتقارب بين الشعوب وتبادل الاعتراف والاحترام، وهو ما منح لتصرف ذلك المشجع الإفريقي دلالة أعمق من مجرد لقطة عاطفية.

ومن هذا المنطلق، نتمنى من الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم أن تبادر، في إطار صلاحياتها الرمزية والمؤسساتية، إلى توجيه دعوة شخصية لهذا المشجع الإفريقي النبيل لحضور باقي مباريات كأس إفريقيا، وكذا لقاءات المنتخب الوطني المغربي، اعترافًا بما جسّده من قيم إنسانية ورياضية سامية، ورسالة واضحة مفادها أن الأخلاق والاحترام يظلان أعلى مرتبة من أي استفزاز أو نتيجة عابرة.

كما نأمل أن تُواكب هذه المبادرة بموقف مبدئي صريح يُؤكد رفض كل السلوكيات غير الرياضية التي تمس بصورة كرة القدم الإفريقية، وتسيء إلى رسالتها التربوية والإنسانية، حفاظًا على قدسية المنافسة، وعلى الدور الرمزي الذي يُفترض أن يضطلع به اللاعبون باعتبارهم قدوة للأجيال الصاعدة داخل القارة وخارجها.

خلاصة القول، إن الصورة وما تتضمنه من معطيات تختزل مفارقة صارخة: مشجع بسيط يربح قلوب أمة بأخلاقه، ولاعبون محترفون يخسرون احترام قارة بسلوكهم. وبين هذا وذاك، يبقى الرهان الحقيقي لكرة القدم الإفريقية هو استعادة بعدها القيمي، حتى تظل الرياضة جسرًا للوحدة والاحترام، لا منصة للإساءة والانفلات الأخلاقي.

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى