
تُعتبر ظاهرة التراشق بالحجارة إحدى القضايا المُقلِقة في المجتمع المكناسي، حيث أصبح سلوك مجموعة من المراهقين دون سن الرشد القانوني برمي الحجارة على بعضهم البعض، أو على المارة، أو الممتلكات العامة أمرًا شائعًا. ويعود ذلك إلى غياب دور الأسرة التي تلعب دورًا حاسمًا في انتشار هذه السلوكيات، بل تُعتبر المصدر الأول لتوجيه سلوك الطفل وتشكيل شخصيته. فعندما تقل مراقبة الأسرة أو يضعف دورها، يزداد تهور الأبناء نحو سلوكيات منحرفة مثل التراشق بالحجارة، التي تتكرر في بعض شوارع مكناس، حيث يفقد اليافع أو المراهق التوجيه الأسري الضروري، مما يجعله يلجأ إلى طرق غير سليمة للبحث عن الانتماء أو لفت الانتباه عبر سلوكيات عدوانية، كما يُعزز ذلك من قبل الأقران المتهورين الذين يشجعون العنف والسلوك التخريبي.
هناك أيضًا تأثير كبير للمشكلات الاقتصادية على هذه الظاهرة؛ إذ ينشغل الآباء في تأمين احتياجات الحياة اليومية، مما يؤدي إلى تجاهل سلوكيات أبنائهم دون سن الرشد، ويجعلهم أكثر عرضة للعنف والشغب في الشوارع. كما تساهم البيئة التي ينشأ فيها الأطفال، وخاصة في الأحياء الفقيرة، في تعزيز العدوانية وتمردهم. وينبغي أيضًا الإشارة إلى غياب دور الأم في التربية كسبب رئيسي، حيث إن الأمهات اللواتي يفتقرن إلى الوعي التربوي أو يواجهن مشكلات أسرية يكون أبناؤهن عرضة للسلوكيات العدوانية. لذا، من الضروري البحث عن حلول تدعم الأمهات وتعزز مسؤولياتهن في توجيه وتعليم أبنائهن، مع إشراك المدرسة والمجتمع.
تلعب المدرسة دورًا مركزيًا في توجيه الأطفال او اليافعين والمراهقين نحو سلوكيات إيجابية، ويقع على عاتقها مسؤولية كبيرة في مواجهة هذه الظاهرة. ويمكن تعزيز هذه الجهود من خلال إدراج برامج تعليمية تُرسخ قيم التسامح والحوار، بالإضافة إلى تقديم أنشطة تفاعلية تُغرس روح التعاون بين المدرسة والمجتمع المدني، الذي يعد شريكًا أساسيًا في معالجة الظواهر الاجتماعية السلبية. كما يمكن ايضا للمجتمع المدني أن يساهم بفعالية في التوعية والتأطير والتواصل بين الأسرة والمدرسة والأجهزة الأمنية للحد من ظاهرة التراشق بالحجارة.
ولا يمكن أن ننسى في هذا السياق دور الإعلام، الذي يلعب دورًا مهمًا في توجيه الرأي العام نحو دعم الجهود المبذولة لمعالجة هذه الظاهرة، من خلال نشر برامج توعوية تسلط الضوء على مخاطر التراشق بالحجارة وتقدم حلولًا عملية بالتعاون مع المعنيين.
ومع تزايد ظاهرة التراشق بالحجارة في بعض أحياء مدينة مكناس وغيرها من المدن المغربية، يصبح من الضروري تبني تدابير قانونية صارمة للحد من هذه التصرفات العنيفة التي تهدد أمن الأفراد والممتلكات. من الآليات التي يمكن اعتمادها هي تحديد سن الرشد القانوني في 16 سنة، وهو ما يجعل المراهقين الذين يرتكبون جرائم مسؤولين قانونيًا عن أفعالهم. قد يسهم هذا الإجراء في تقليص ظاهرة الإفلات من العقاب، ويساعد المشرع في مواجهة إشكالية إدراج المخالفين في برامج إعادة التأهيل بدلاً من اعتبارهم أطفالاً غير واعين بعواقب أفعالهم.
من المهم أيضًا التفكير في عقوبات بديلة تتجاوز الردع، مثل اعتماد خدمة المجتمع كجزء من عقوبة الأعمال التي تعود بالنفع على المجتمع، بالإضافة إلى فرض غرامات مالية على أولياء الأمور في حال تكررت تورط أبنائهم في أعمال الشغب. علاوة على ذلك، ينبغي تشديد العقوبات في حالات الأذى الجسدي أو التخريب؛ حيث يمكن أن تشمل العقوبات السجن المشروط أو إلزام المخالفين بالتعويض عن الأضرار.
إن تنفيذ هذه التدابير سيكون له تأثير إيجابي على معالجة الظاهرة، حيث سيرفع من وعي المراهقين بمسؤولياتهم، وسيحفز أولياء الأمور على زيادة دورهم في توجيه أبنائهم نحو سلوكيات إيجابية.
يتبع..




