
توفيق اجانا
يُعدّ الاقتباس في السينما واحدًا من أكثر الممارسات الفنية تعقيدًا وإثارة للنقاش داخل الحقل السينمائي، لأنه يقف عند تقاطع الأدب بالصورة، والنص المكتوب باللغة البصرية. فبدل أن يكون مجرد نقل حرفي من رواية إلى فيلم، يتحول إلى عملية إعادة خلق وإنتاج للمعنى، تُعيد تشكيل العالم الروائي داخل لغة مختلفة تحكمها الصورة والإيقاع والمونتاج.
من هذا المنظور، لا يمكن اعتبار الفيلم المقتبس امتدادًا بسيطًا للنص الأدبي، بل هو كيان مستقل نسبيًا، حتى وإن ظل مرتبطًا بمرجعه الأول. فالمخرج لا يترجم النص، بل يعيد تأويله وإعادة كتابته بصريًا، وهنا يتأسس التوتر الجوهري بين الوفاء للنص بوصفه مرجعية، وبين الحرية الفنية بوصفها شرطًا لوجود السينما نفسها.
وقد تبلورت هذه الإشكالات بوضوح خلال الندوة العلمية حول “السينما والاقتباس”، التي احتضنها المركب الثقافي الفقيه المنوني، ضمن فعاليات الدورة الخامسة عشرة للجامعة السينمائية بمكناس، حيث فتح النقاش حول الاقتباس باعتباره ممارسة تتجاوز النقل إلى إعادة البناء والتأويل.
وعرفت الندوة مناقشة عدد من القضايا والمفاهيم المرتبطة بالاقتباس السينمائي، مع التوقف عند إشكالية نقل النص الأدبي إلى الشاشة، وما يرافق ذلك من تحديات تتعلق بتحويل اللغة الأدبية إلى لغة بصرية، إضافة إلى طرح النقاش حول مسألة الوفاء للنص الأصلي، باعتبارها من القضايا التي أضحى النقاش حولها متجاوزًا في ظل تطور الرؤية السينمائية الحديثة وتعدد مقاربات الاقتباس.
كما تم خلال اللقاء استحضار دور “السيناريست” باعتباره وسيطًا أساسيًا بين الكاتب والمخرج، لما يضطلع به من وظيفة محورية في إعادة بناء النص وتحويله إلى رؤية بصرية قابلة للتجسيد السينمائي.
ومن أبرز الملاحظات التي طُرحت على مستوى النقاش، غياب السيناريست، رغم كونه عنصرًا محوريًا في عملية الاقتباس. فهذا الغياب لا يمكن قراءته كمعطى شكلي فقط، بل يفتح سؤالًا نقديًا أعمق حول موقع هذا الفاعل داخل المنظومة السينمائية. فالسيناريست هو الوسيط الحقيقي بين الأدب والسينما، وهو الذي يعيد تفكيك النص وإعادة بنائه وفق منطق درامي وبصري، ما يجعله عنصرًا حاسمًا في تحديد طبيعة التحول من الرواية إلى الفيلم.
إن غياب هذا الصوت في النقاش يعكس، بشكل غير مباشر، استمرار هيمنة ثنائية “الكاتب/المخرج”، في حين أن الواقع الإبداعي للاقتباس هو واقع ثلاثي الأبعاد، يتداخل فيه النص الأصلي مع السيناريو ثم الصورة. وهو ما يجعل أي قراءة للاقتباس دون حضور السيناريست قراءة ناقصة من الناحية التحليلية.
كما أعاد هذا المعطى فتح النقاش حول مفهوم “الوفاء للنص”، ليس باعتباره معيارًا حاسمًا، بل كإشكال نقدي تجاوزه الخطاب السينمائي المعاصر نحو مفاهيم أكثر مرونة، مثل “الوفاء الروحي” و”الوفاء التأويلي”، حيث لا يُقاس الاقتباس بمدى تطابقه مع الأصل، بل بقدرته على إنتاج معنى جديد داخل وسيط مختلف.
وتكشف هذه المقاربات أن الاقتباس السينمائي ليس مجرد علاقة تبعية بين الأدب والسينما، بل هو فعل إبداعي مركب، تتداخل فيه السلطة الثقافية بالخيال الفني، ويتحدد فيه العمل النهائي عبر شبكة من الاختيارات الجمالية والإنتاجية والتأويلية.
وهكذا يظل الاقتباس فضاء مفتوحًا للتوتر الخلاق بين النص والصورة، وبين الغياب والحضور، وبين ما يُقال في الأدب وما يُعاد إنتاجه في السينما.



