اش واقع فمدينتي

الدعم العمومي للجمعيات بمكناس: حين تقترن المسؤولية بالمحاسبة.. من يراقب المال العام؟

في كل مرة يعود فيها النقاش حول دعم الجماعة للتظاهرات والمشاريع الجمعوية، لا ينبغي أن ينحصر السؤال في هوية الجمعية أو في قيمة المهرجان أو في نجاح التظاهرة، بل يجب أن يرتفع النقاش إلى مستوى أكثر أهمية: كيف يدبر المال العام؟ ومن يتابع أوجه صرفه؟ ومن يقيس النتائج التي تحققت مقابل الدعم الممنوح؟

فالدعم العمومي ليس امتيازا شخصيا، ولا هو مبلغ يمنح وينتهي دوره بمجرد صرفه، وإنما هو مسؤولية عمومية تبدأ منذ لحظة اتخاذ القرار، وتمتد إلى مرحلة التنفيذ والتتبع والتقييم، وتنتهي بتقديم الحصيلة والوقوف على مدى تحقيق الأهداف التي من أجلها منحت الأموال.

وهنا تحديدا تبرز قاعدة لا ينبغي أن تكون محل خلاف: ربط المسؤولية بالمحاسبة.

فإذا كانت الجماعة تمنح دعما لجمعية من أجل تنظيم تظاهرة أو تنفيذ مشروع ثقافي أو اجتماعي أو رياضي، فإن من حق الجمعية أن تنفذ مشروعها في إطار القانون والاتفاقية، ومن واجب الجهة المانحة، في المقابل، أن تتأكد من أن الدعم وجه إلى الأهداف التي رصد من أجلها، وأن النتائج المعلن عنها قابلة للتتبع والتقييم.

والأمر لا يتعلق بجمعية بعينها، ولا بمهرجان محدد، وإنما بمبدأ ينبغي أن يسري على جميع الجمعيات والمبادرات التي تستفيد من المال العام، دون تمييز أو انتقائية.

فمن غير المنطقي أن يكون النقاش قويا لحظة المصادقة على الدعم، ثم يختفي عندما تنتهي التظاهرة. كما لا يستقيم أن تكون هناك اتفاقيات تحدد الالتزامات والغايات، دون أن تواكبها آليات واضحة للتتبع والتقييم وقياس النتائج.

وهنا يصبح دور المجلس الجماعي أساسيا، ليس فقط باعتباره مؤسسة تصادق على الاتفاقيات والاعتمادات، وإنما باعتباره مؤسسة منتخبة يفترض أن تمارس اختصاصاتها في التداول والرقابة والتتبع، وأن تتساءل عن الجدوى والنتائج ومدى احترام الالتزامات المتبادلة.

الرقابة تبدأ قبل صرف المال، من خلال وضوح الأهداف والالتزامات والاعتمادات، ولا ينبغي أن تتوقف عند ذلك، بل يجب أن تمتد إلى ما بعد التنفيذ من خلال التتبع والتقييم.

أما أجهزة الرقابة المالية، وفي مقدمتها المجالس الجهوية للحسابات، فلها اختصاصاتها القانونية والمؤسساتية في مراقبة وتدقيق استعمال الأموال العمومية، كل في حدود ما يحدده القانون. ومن ثم، فإن قوة الحكامة لا تكمن في تدخل مؤسسة واحدة في اختصاص مؤسسة أخرى، وإنما في أن يمارس كل طرف اختصاصه كاملا ومسؤولا.

المجلس الجماعي يتداول ويقرر ويتابع في حدود اختصاصاته، والإدارة تنفذ وتؤطر وتتتبع وفق المساطر، والجمعية تلتزم بما تعهدت به، وأجهزة الرقابة تمارس مهامها وفق القانون.

وهذه المنظومة هي التي تجعل مبدأ «ربط المسؤولية بالمحاسبة» ممارسة فعلية وليست مجرد شعار.

ولعل النقاش الذي أعيد فتحه اليوم داخل المجلس الجماعي بمكناس، من خلال مداخلة المستشار الجماعي الدكتور فريد بواحي خلال دورة يوليوز الاستثنائية، يعيد وضع هذه المسألة في واجهة النقاش المؤسساتي، خصوصا مع إصراره على ضرورة متابعة المال العام الذي تمنحه الجماعة والتأكد من كيفية تدبيره ومآله.

ويمكن اختزال جوهر هذا الطرح في عبارة واضحة تصلح لأن تكون عنوانا لهذا النقاش:

«المال العام الذي تمنحه الجماعة لا ينبغي أن تنتهي علاقته بالمؤسسة عند لحظة صرفه، بل تبدأ بعد ذلك مسؤولية التتبع والمراقبة وقياس النتائج.»

إن قوة هذا الطرح لا تكمن في توجيه الاتهام إلى الجمعيات، وإنما في الدفاع عن مبدأ عام: الدعم حق تنظمه القواعد، لكنه في الوقت نفسه مسؤولية تفرض التتبع.

فالجمعية التي تحصل على دعم عمومي ليست مطالبة فقط بتنظيم نشاط ناجح، وإنما بتقديم حصيلة تعكس ما تم إنجازه، ومدى احترام الالتزامات، وكيف تم توظيف الموارد، وما القيمة المضافة التي تحققت للمواطن والمدينة.

وبالمقابل، فإن الجهة المانحة ليست مطالبة فقط بتحويل الاعتماد، وإنما كذلك بتفعيل آليات التتبع التي تسمح لها بمعرفة ما إذا كانت الأهداف المتفق عليها قد تحققت.

وهنا تحديدا يجب أن ينتقل النقاش من منطق الدعم إلى منطق الشراكة.

فالشراكة الحقيقية ليست أن تمنح الجماعة المال لجمعية ثم تنتظر نهاية النشاط، وإنما أن تكون هناك أهداف واضحة، والتزامات محددة، ومؤشرات للنتائج، وحصيلة قابلة للقراءة، وآليات للتتبع والتقييم.

وإذا كانت بعض الجمعيات تستفيد من الدعم العمومي، فإن السؤال المشروع ليس: لماذا استفادت؟ وإنما: ما الذي تحقق بهذا الدعم؟

وإذا كانت هناك تظاهرات ناجحة، فإن السؤال ليس: هل نوقفها؟ وإنما: كيف نضمن استمرار نجاحها، ونقيس أثرها، ونطور مردوديتها، ونجعل الدعم الموجه إليها أكثر نجاعة؟

وإذا كانت هناك اتفاقيات شراكة، فإن السؤال ليس: من وقعها؟ وإنما: هل تم تنفيذ الالتزامات الواردة فيها؟

هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تنتقل من هامش النقاش إلى صلبه.

فمكناس لا تحتاج إلى ثقافة الشك في الجمعيات، كما لا تحتاج إلى ثقافة التساهل مع المال العام. تحتاج إلى ثقافة مؤسساتية تجعل الشفافية قاعدة، والتتبع ممارسة، والتقييم آلية، والمحاسبة نتيجة طبيعية لتحمل المسؤولية.

ولا ينبغي أن يخشى أي مشروع جمعوي جاد من التقييم؛ لأن التقييم لا يقتل المبادرة، بل يحميها من العشوائية ويمنحها فرصة للتطور والاستمرار. كما أن الرقابة لا تعني بالضرورة وجود اختلال، وإنما تعني أن المال العام يجب أن يظل تحت نظر المؤسسات المختصة.

وفي النهاية، فإن جوهر القضية لا يتعلق بجمعية أو مهرجان أو تظاهرة، وإنما بسؤال أكبر: هل نريد أن يكون الدعم العمومي مجرد إنفاق، أم نريده استثمارا عموميا له أهداف ونتائج وأثر قابل للقياس؟

إذا كان الجواب هو الخيار الثاني، فإن الطريق واضح: رقابة قبلية في إطار اختصاصات المؤسسات، تتبع أثناء التنفيذ، تقييم بعد الإنجاز، ورقابة مالية تمارسها الجهات المختصة وفق القانون.

عندها فقط يصبح مبدأ «ربط المسؤولية بالمحاسبة» واقعا ملموسا، ويصبح المال العام أمانة تدبر بالوثيقة والنتيجة والحصيلة، لا بمجرد النوايا.

فالجمعيات الجادة تستحق الدعم، والمبادرات الناجحة تستحق الاستمرار، والمجالس المنتخبة مطالبة بممارسة اختصاصاتها، وأجهزة الرقابة مطالبة بالقيام بأدوارها.

والقاعدة التي ينبغي أن تحكم الجميع بسيطة: من يتحمل مسؤولية المال العام، يتحمل كذلك مسؤولية تقديم الحساب عن نتائجه.

يتبع…

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى