اش واقع فمدينتي

حين اختار عامل إقليم إفران الجلوس بين المواطنين… رسائل التواضع التي تسبق الكلمات

توفيق اجانا

في كثير من المناسبات الرسمية، يلفت الانتباه حجم البروتوكول الذي يحيط بالمسؤولين، فتكون المنصات الشرفية والحواجز الأمنية والمقاعد المخصصة لكبار الضيوف جزءا من المشهد المعتاد. غير أن بعض الصور تكسر هذا النمط، وتنجح في إيصال رسائل أبلغ من أي خطاب رسمي. ومن بين هذه الصور، ما شهده مهرجان إفران الدولي في دورته الثامنة، عندما اختار عامل إقليم إفران أن يتابع فقرات الحفل من وسط الجمهور، في مشهد بسيط في ظاهره، لكنه غني بالدلالات في مضمونه.

إن هذا السلوك يعكس فهما متقدما لمفهوم المسؤولية العمومية، فالمسؤول الذي يقترب من المواطنين ويشاركهم الفضاء نفسه، يبعث برسالة واضحة مفادها أن المنصب لا ينبغي أن يصنع مسافة بينه وبين الناس. فالتواضع ليس مجرد خصلة شخصية، بل هو أسلوب في ممارسة السلطة، يجعل المسؤول أكثر قدرة على استيعاب نبض الشارع، وأكثر قربا من انشغالات المواطنين وتطلعاتهم. لذلك، فإن اختيار عامل إقليم إفران الجلوس بين الحاضرين لم يكن مجرد قرار عفوي، بل صورة تختزل فلسفة في التدبير تقوم على القرب والإنصات والانفتاح.

لقد عرف المغرب خلال السنوات الأخيرة تحولا ملحوظا في أسلوب تدبير الشأن المحلي، حيث أصبحت الإدارة الترابية مطالبة بأن تكون أكثر حضورا في الميدان، وأكثر تفاعلا مع المواطنين. ومن هذا المنطلق، فإن حضور عامل إقليم إفران وسط الجمهور ينسجم مع هذا التوجه، لأنه يجسد الإدارة التي تفضل التواصل المباشر على المسافات البروتوكولية، وتؤمن بأن ثقة المواطن لا تبنى فقط بالقرارات والمشاريع، وإنما أيضا بالسلوك اليومي للمسؤول وطريقة حضوره بين الناس.

ولعل أهم ما يمنحه هذا المشهد من قوة، أنه جاء في لحظة احتفالية يعيشها الإقليم، حيث اجتمع آلاف المواطنين والزوار لمتابعة فعاليات مهرجان دولي يعد من أبرز التظاهرات الثقافية بالمملكة. وفي مثل هذه المناسبات، يكون المسؤول أمام خيارين؛ إما أن يراقب المشهد من منصة معزولة، أو أن يكون جزءا منه. وقد اختار عامل إقليم إفران الخيار الثاني، بما يحمله من رسائل الثقة في التنظيم، والاطمئنان إلى الوضع الأمني، والرغبة في مشاركة المواطنين لحظات الفرح والاحتفال دون تمييز أو تكلف.

ولا يمكن إغفال الأثر الذي تتركه مثل هذه المبادرات في الرأي العام. فالمواطن اليوم لم يعد يقيم المسؤول فقط بما ينجزه من مشاريع أو يوقعه من قرارات، بل أيضا بما يراه من مواقف وسلوكيات تعكس شخصيته وأسلوبه في القيادة. ولهذا السبب، لقيت صورة عامل إقليم إفران وسط الجمهور استحسانا واسعا، لأنها قدمت نموذجا لمسؤول لا يرى في المنصب امتيازا، بل تكليفا يفرض عليه أن يكون قريبا من المواطنين في مختلف الظروف والمناسبات.

إن الإدارة الحديثة لم تعد تقاس فقط بفعالية القرارات، بل كذلك بقدرتها على بناء جسور الثقة مع المجتمع. وهذه الثقة لا تصنعها البلاغات الرسمية وحدها، وإنما تصنعها أيضا التفاصيل الصغيرة التي تتحول إلى رموز كبيرة. وقد يكون جلوس عامل إقليم إفران بين المواطنين واحدا من تلك التفاصيل التي تحمل دلالات عميقة، لأنها تؤكد أن هيبة الدولة لا تتعارض مع التواضع، وأن المسؤول يستطيع أن يحافظ على مكانته واحترامه وهو يجلس إلى جانب المواطنين، لا فوقهم.

وفي النهاية، تبقى مثل هذه الصور ذات أثر يتجاوز اللحظة التي التقطت فيها، لأنها تؤسس لنموذج في القيادة يقوم على القرب والإنسانية والتواصل المباشر. فحين يختار المسؤول أن يكون بين الناس، فإنه لا يكتفي بحضور مناسبة عامة، بل يرسل رسالة مفادها أن خدمة المواطن تبدأ بالاقتراب منه، والاستماع إليه، ومشاركته فضاءه العام. وهي رسالة قد تكون أبلغ من عشرات الخطب والتصريحات، لأنها تترجم بالفعل ما يصعب أحيانا التعبير عنه بالكلمات.

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى