توفيق اجانا
لم تكن حادثة وفاة شاب خلال عملية هدم أحد المباني الآيلة للسقوط بحي زقاق القرموني بالمدينة القديمة لمكناس مجرد خبر عابر يضاف إلى سجل الحوادث اليومية، بل هي جرس إنذار جديد يدعونا إلى إعادة النظر في واقع السلامة المهنية داخل أوراش الهدم والترميم
فالشاب، الذي كان يشتغل ضمن أشغال الهدم، خرج بحثا عن لقمة العيش، لكنه لم يعد إلى أسرته. وبين لحظة وأخرى، تحول ورش يفترض أن يزيل خطرا يهدد السكان إلى مسرح لفاجعة إنسانية جديدة. وهنا يبرز السؤال الحقيقي: هل يتم منح السلامة المهنية المكانة التي تستحقها داخل هذه الأوراش؟
إن هدم المباني الآيلة للسقوط لا يشبه أي نشاط مهني آخر، فهو يتم داخل فضاءات غير مستقرة إنشائيا، وتحت تهديد دائم للانهيارات المفاجئة والسقوط من المرتفعات. لذلك فإن توفير الخوذات وأحزمة الأمان ووسائل الحماية الفردية ليس ترفا إداريا ولا إجراء شكليا، بل هو خط الدفاع الأول عن حياة العمال.
وفي كثير من الأحيان، ينصب الاهتمام على سرعة إنجاز الأشغال أو على إزالة الخطر الذي تمثله البناية، بينما يتم التغاضي عن الخطر الذي يواجهه العامل نفسه. والحقيقة أن نجاح أي عملية هدم لا يقاس بعدد الجدران التي تمت إزالتها، بل بعدد الأرواح التي تم الحفاظ عليها خلال العملية.
إن الحادث المأساوي الذي عرفته المدينة القديمة بمكناس يجب أن يدفع جميع المتدخلين، من سلطات ومقاولات ومهندسين ومكاتب مراقبة، إلى مراجعة إجراءات السلامة المعتمدة داخل هذه الأوراش. فالعامل ليس مجرد رقم في ورش أو يد عاملة يمكن تعويضها، بل هو إنسان له أسرة وأحلام ومستقبل.
كما أن الحادث يفرض تعزيز ثقافة الوقاية داخل قطاع البناء والهدم، لأن أفضل الحوادث هي تلك التي لا تقع أصلا. فالتدريب المستمر، والمراقبة الصارمة، وتطبيق معايير السلامة دون تهاون، تبقى عناصر أساسية لتفادي تكرار مثل هذه المآسي.
وفي انتظار ما ستكشف عنه نتائج التحقيق الرسمي، يبقى المؤكد أن هذه الفاجعة أعادت طرح سؤال جوهري: هل أصبحت سلامة العامل أولوية حقيقية في أوراش هدم الدور الآيلة للسقوط، أم أنها لا تزال الحلقة الأضعف في معادلة يغلب عليها هاجس الإنجاز السريع؟
إن تكريم ذكرى هذا الشاب لا يكون فقط بكلمات التعزية، بل بتحويل هذا الحادث الأليم إلى مناسبة لمراجعة الممارسات القائمة وتعزيز شروط السلامة، حتى لا يتحول البحث عن لقمة العيش إلى رحلة بلا عودة.






