توفيق اجانا

ليست المشكلة في إصلاح حفرة، ولا في معالجة طريق متضرر، فذلك يدخل في صميم العمل اليومي لأي مدينة تسعى إلى ضمان سلامة مواطنيها. لكن المشكلة تبدأ حين يتحول النقاش العمومي إلى دائرة مغلقة تدور حول التفاصيل، بينما تنتظر الأسئلة الكبرى من يضعها في صدارة الاهتمام.
في مكناس، المدينة ذات الامتداد التاريخي والرمزية الحضارية العميقة، يبدو أن الجدل حول أشغال الصيانة أخذ حجماً يفوق طبيعته التقنية. بين من يعتبرها مجرد تدخل ظرفي، ومن يراها مؤشراً على تحرك إيجابي، يظل السؤال الأهم معلقاً: ماذا بعد؟
صيانة الطرق ضرورة، لكنها ليست مشروعاً تنموياً في حد ذاتها. هي استجابة لواقع قائم، وليست رؤية لمستقبل مرتقب. والمدن التي تسعى إلى استعادة موقعها لا تكتفي بإدارة الأعطاب، بل تشتغل على إعادة صياغة موقعها الاقتصادي، وتعزيز جاذبيتها الاستثمارية، وتوفير شروط الإقلاع الحقيقي.
إن الرهان اليوم لا ينبغي أن يُختزل في تقييم وتيرة الإصلاحات الجزئية، بل في القدرة على بلورة أفق تنموي واضح المعالم. مكناس تحتاج إلى نقاش يتجه نحو المشاريع المهيكلة، نحو تحفيز الاستثمار المنتج، نحو إعادة تأهيل المجالات الصناعية، ونحو خلق فرص شغل مستدامة تعيد الثقة إلى شبابها.
الانشغال بالتفاصيل اليومية مفهوم، بل مشروع، لكنه لا يجب أن يحجب الرؤية الأشمل. فالتدبير الرشيد يقوم على الجمع بين معالجة المستعجل وبناء الاستراتيجي. والمدن التي تكتفي برد الفعل تظل أسيرة الظرف، أما التي تخطط بعيداً فتصنع موقعها في الخريطة الوطنية.
مكناس لا ينقصها التاريخ، ولا الرصيد الرمزي، ولا الطاقات البشرية. ما تحتاجه هو تحويل هذا الرصيد إلى دينامية تنموية ملموسة. والنقاش العمومي، حين يرتقي إلى مستوى التحديات، يصبح رافعة ضغط إيجابي، لا مجرد تفاعل عابر مع حدث يومي.
السؤال الحقيقي إذن ليس: هل تمت معالجة الحفر؟بل: كيف ننتقل من إدارة اللحظة إلى صناعة المستقبل؟ومكناس تستحق أن يُطرح عليها السؤال بالشكل الذي يليق بها.
إن استعادة مكانة مكناس لا تتحقق بالكلام وحده، ولا بالإحصاءات المؤقتة، بل بالإرادة المشتركة والالتزام المستمر. على جميع الفاعلين – مؤسساتية ومدنية – أن يضعوا أولويات المدينة نصب أعينهم، وأن يتحول الاهتمام بالتفاصيل إلى قوة اقتراح تدعم المشاريع الكبرى.
الحقيقة أن مكناس، بتاريخها ورمزيتها، قادرة على أن تصبح نموذجاً حضرياً متكاملاً، يجمع بين الحفاظ على التراث وخلق فرص اقتصادية واجتماعية جديدة.
والنقاش العمومي، حين يُدار بعقلانية ووعي، يمكن أن يكون المحرك الأساسي لهذا التحول.الأمل قائم، والعمل ممكن، والرهان الحقيقي هو تحويل الغيرة على المدينة إلى رؤية واضحة، تُمكّن من تحقيق التنمية المنشودة، وإعادة الاعتبار لمكانتها كعاصمة للسلاطين، ومدينة تستحق أن تُرى متألقة في الحاضر والمستقبل على حد سواء.






