اش واقع فمدينتي

دورة فبراير لجماعة مكناس: زمن سياسي مهدور وأسئلة مفتوحة

توفيق اجانا

لم تكن دورة فبراير لجماعة مكناس محطة عادية ضمن المسار المؤسساتي للجماعة، بل تحولت إلى لحظة كاشفة لاختلال واضح في تدبير الزمن السياسي المحلي. ساعة كاملة من عمر الدورة ضاعت في نقاشات هامشية، تبادل خلالها مستشارون اتهامات خطيرة، بعضها لامس شبهة الفساد، في وقت كانت فيه المحاضر تُسجّل، والجلسة تُعقد بصفتها جلسة دستورية يُفترض أن تؤطرها المسؤولية والجدية.

خطورة هذا المشهد لا تكمن فقط في حدة الاتهامات، بل في غياب تفعيل آليات المحاسبة القانونية. فاتهامات الفساد، إن كانت مبنية على معطيات، تستوجب فتح تحقيقات وترتيب المسؤوليات، وإن كانت مجرد مزايدات سياسية، فإنها تسيء لصورة المؤسسة المنتخبة وتفرغ النقاش العمومي من محتواه. وفي الحالتين، يظل تغييب القانون واستمرار منطق الإفلات من المحاسبة عنواناً مقلقاً.

وخلال أشغال الدورة، حضرت سياسة التعويم بقوة من خلال الخروج عن جدول أعمال الدورة، حيث تم الانزلاق إلى نقاشات جانبية لا تدخل ضمن النقط المبرمجة، ما ساهم في تشتيت التركيز وإهدار الزمن المؤسساتي. هذا الانحراف عن جدول الأعمال حوّل الجلسة من فضاء للحسم واتخاذ القرار إلى ساحة جدل مفتوح، دون مخرجات واضحة أو قرارات عملية.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل انزلقت بعض التدخلات إلى منطق الشخصنة وتصفية الحسابات، بعيداً عن أي رؤية متبصّرة أو نقاش مسؤول يخدم المصلحة العامة. وهو ما أفقد النقاش عمقه السياسي والتنموي، وحوّل الخلاف من اختلاف مشروع في الرؤى إلى سجالات شخصية لا تخدم صورة الجماعة ولا انتظارات الساكنة.

وفي سياق متصل، سُجّل غياب أحزاب عريقة عن المشهد السياسي خلال دورة فبراير، رغم ما تملكه من تجربة سياسية وقدرة على التأطير وإغناء النقاش العمومي. هذا الغياب، حتى مع تموقع هذه الأحزاب في صفوف المعارضة، حرم المجلس من إضافة نوعية كان من شأنها إعادة توجيه النقاش نحو القضايا الجوهرية. كما يطرح أكثر من تساؤل حول خلفيات هذا الغياب، وحدوده، وانعكاساته على توازن العمل الجماعي وجودة التداول الديمقراطي داخل مجلس يُفترض أن يعكس تعددية سياسية حقيقية.

هذا الوضع ليس وليد اللحظة، بل يعكس مساراً متراكماً تعرفه جماعة مكناس، حيث يُهدر الزمن السياسي في نقاشات جانبية، بينما تُؤجل القضايا الحقيقية المرتبطة بالتنمية، والاستثمار، وجودة العيش. مدينة مكناس، وهي تواجه تحديات اقتصادية واجتماعية واقتصادية متزايدة، تبدو اليوم في أمسّ الحاجة إلى نقاش جاد ومسؤول، نقاش يُوجَّه نحو مشاريع تنموية قادرة على إخراجها من دائرة الهدر السياسي.

إن المدينة لا تحتاج فقط إلى دورات شكلية، بل إلى استعادة روحها السياسية والفكرية، عبر عودة الاعتبار للكاتب والمثقف، وللسياسي المسؤول، وللفاعل الجمعوي الجاد، بما يُعيد للنقاش العمومي معناه، ويمنح السياسة دورها الحقيقي كأداة لخدمة الصالح العام.

ويبقى السؤال الذي تفرضه المرحلة بإلحاح:
هل ما جرى في دورة فبراير مجرد تعثر عابر، أم أننا أمام مرحلة جديدة من التدبير المرتبك تستدعي وقفة حقيقية ومراجعة شاملة لمسار العمل الجماعي بمكناس؟ يتبع…

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى