
هيئة التحرير لميديا15
عرفت مدينة مكناس، مساء الجمعة 17 يوليوز 2026، تنظيم لقاء ثقافي خُصص لتقديم الجزءين الأول والثاني من ديوان “ملحونيات الشيخ محمد المرعازي المكناسي”، وذلك بمبادرة من جمعية رحاب الإسماعيلية للملحون والموسيقى التراثية، في إطار برنامجها الثقافي للموسم 2026-2027، وبحضور نخبة من الباحثين والأكاديميين والمهتمين بالتراث الثقافي المغربي..
وشكل هذا الموعد مناسبة لطرح أسئلة عميقة حول واقع التراث الثقافي غير المادي بالمغرب، من خلال مداخلة علمية قدمها الباحث الأكاديمي عبد العالي بوزيان بعنوان: “اللامادية في التراث غير المادي.. فن الملحون نموذجا”، تناول فيها البعد الفلسفي والأنثروبولوجي لمفهوم “اللامادية”، مستعرضا تطور هذا المفهوم في المرجعيات الدولية، وصولا إلى اتفاقية اليونسكو لسنة 2003 الخاصة بصون التراث الثقافي غير المادي.
وأكد الباحث أن جوهر التراث اللامادي لا يكمن في المخطوطات أو التسجيلات أو العروض الاحتفالية، وإنما في استمرارية الممارسة الحية، وفي انتقال المعارف والخبرات شفهيا بين الأجيال، مع قدرة هذا التراث على التجدد وإعادة إنتاج نفسه داخل المجتمع. ومن هذا المنطلق، اعتبر أن فن الملحون ينبغي أن يُفهم باعتباره ممارسة ثقافية متجددة، لا مجرد مادة للتوثيق أو الفرجة الموسمية.
وتوقف بوزيان عند واقع الملحون بعد إدراجه سنة 2023 ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي لدى منظمة اليونسكو، مسجلا أن هذا الاعتراف الدولي لم يواكبه، وفق قراءته الأكاديمية، مشروع وطني متكامل يضمن استدامة هذا الفن الأصيل. وأشار إلى استمرار عدد من الإكراهات، من بينها ضعف اليات نقل المعرفة إلى الأجيال الصاعدة، وتراجع منظومة التلقين التقليدية القائمة على علاقة الشيخ بالمريد، إضافة إلى محدودية مشاريع الرقمنة والأرشفة، وغياب إدماج حقيقي للملحون في التنمية الثقافية والسياحية.
وفي قراءة نقدية، اعتبر الباحث أن الاقتصار على تنظيم المهرجانات والأنشطة المناسبة لا يكفي لضمان استمرارية هذا الموروث، بل قد يحول التراث إلى ممارسة جامدة تفقد جزءا من روحها الإبداعية إذا لم ترتبط ببيئتها الاجتماعية والثقافية الأصلية.
كما قدم خلال مداخلته جملة من المقترحات العملية، من بينها إعادة الاعتبار لمنظومة التكوين التقليدي، وإحداث أرشيف وطني رقمي لفن الملحون، وتطوير مسارات ثقافية وسياحية مرتبطة بالمدن التاريخية التي احتضنت هذا الفن، فضلا عن توفير حماية اجتماعية لشيوخ الملحون والاعتراف بهم باعتبارهم “كنوزا بشرية حية”.
وفي سياق متصل، أشار الباحث إلى أن النقاش الذي يفرض نفسه اليوم هو مدى ملاءمة استمرار إدراج فن الملحون ضمن القائمة التمثيلية للتراث غير المادي، في ظل التحديات التي تواجه استدامته، معتبرا أن التفكير في التوجه نحو قائمة الصون العاجل قد يشكل مدخلا لإطلاق برامج أكثر فعالية لحماية هذا الموروث من مخاطر التراجع والانقطاع.
وتزامنت هذه المداخلة مع تقديم ديوان “ملحونيات محمد المرعازي”، الذي قدمه الأستاذ جمال الدين مرزوقي، في مناسبة استحضرت المسار الفني للشيخ محمد المرعازي، أحد أعلام الملحون الذين تلقوا هذا الفن وفق منظومة التلقين الشفهي التقليدية على يد شيخ الملحون الراحل مولاي عبد العزيز العبدلاوي، في نموذج يجسد روح هذا التراث القائم على المشافهة واستمرار السند الثقافي بين الأجيال.
واختتم اللقاء بتكريم الباحث عبد العالي بوزيان، وسط تفاعل من الحاضرين مع مضامين المداخلة، التي فتحت باب النقاش حول مستقبل فن الملحون، وسبل الانتقال من مجرد الاعتراف الدولي إلى سياسات عملية تضمن بقاء هذا التراث حيا ومتجددا في وجدان المجتمع المغربي.















