
محمد السعيدي
يتأطر هذا السؤال ضمن مجزوءة المعرفة، هذه المجزوءة التي امتدت من الاهتمام بالإنسان كشخص في سالفتها إلى معرفة الإنسان كعارف بمحيطه وطبيعته ومجتمعه، فهي مركز استقطاب للبناء الجدلي بين الذات والموضوع، فهي تحمل تحت طياتها جملة قد تكون من الأخطاء فيما قد تكون جملًا من الصواب، وفي ذلك النظرية والتجريب، والتي تفرز قطبين من التقابلات، فإما الفصل بينهما تحت اعتبار شق من الآراء، لا سيما أن حسب اعتباراتهم تجابه التجربة الواقع ولا يمكن الفصل بينهما، فيما تؤمن النظرية بالإبداع العقلي الذي في غالب الأحيان بعيد عن الواقعية، فيما يعتبر الآخرون أن مركز إشعاع النظرية هو ربطها بالتجربة، ولا يوجد أي فصل بينهما. فهل يمكن الفصل بين النظرية والتجربة؟ وهل فصلهما يمكننا من بناء النظرية العلمية أم يقتضي ذلك الربط بينهما؟
إن هذا السؤال الفلسفي وبعمق مفاهيمه، تعتبر الإجابة عنه عند الربط بينه وبين الواقع فقدانًا لصبغة الصعوبة التي قد تميزه، كون الإنسان، وبكافة ثقافاته، معرضًا للوهم والخيال الذي يجعله مركز استقطاب لأكاذيب يصدقها بالرغم من أنه من افترضها وهو من ادعاها، فلا يمكن الفصل بتاتًا وقطعًا بين النظرية والتجربة، كون التجربة هي محاكاة للواقع، بينما النظرية هي جملة عميقة واسعة من الافتراضات الممزوجة بالوهم والأكاذيب، إما عن قصد وإما بدونه، والفصل بينهما عند تحقيق نظرية علمية أو بناؤها قد يعرضها للتلف والانهيار عندما سيقتضي الأمر محاكاتها واقعًا، فليس الأهم هو الادعاء والإقرار عليه، بل طرحه واقعًا وتأكيده، وهذا الذي يستحيل ولن يتأتى إلا بالتجربة.
لقد ورد في السؤال مفهومان، وهما النظرية التي تعني مجموعة من المبادئ المجردة التي تفسر ظاهرة ما، والتجربة هي الملاحظة والاختبار اللذان يؤكدان أو يعارضان فرضية معينة، هذه الفرضية التي قد تكون نظرية، وتأكيدًا على ما سبق، هناك عدة نظريات أبانت فشلها وأخطاء فادحة تخللتها، كنظرية الكون الثابت، والتولد الذاتي، والقارات الثابتة قبل اكتشاف وجود الصفائح التكتونية، ولكن لكل قاعدة استثناء، واستثناء النظريات في صواب بعضها، كالنسبية مثلًا.
نخلص من خلال كل ما تأتى سابقًا أن لا فصل بين النظرية والتجربة، ولقد أكد العديد من الفلاسفة على ما ادعينا، كأينشتاين وقوله: “التجربة بدون نظرية عمياء، والنظرية بدون تجربة جوفاء”. وفي الأخير، إن ادعاءنا هو ليس افتراضًا ولا نظرية لكي لا تظن أنه قد يكون غلطًا، فما هو سوى رأي مبني على أسس فكرة عامة، لكن يتخللها بعض الاستثناءات كما قلنا، فلكل قاعدة استثناء، ويجدر القول أيضًا إن ما سبق لا يرتبط بالنظريات العلمية فقط، بل يتجاوزها لنظريات ثقافية ومجتمعية، وهي كثيرة بشكل لا يصدق، ويجدر مرة أخرى بنا التساؤل: إذا كانت الفرضية تعتبر خطأ، فما السبيل الذي يجعل الرأي صائبًا؟!














