كتاب رأي

قصبة هدراش… ذاكرة لا تشيخ وأصوات لا تموت

برعي محمد

منذ ذلك اليوم الذي وجدتني فيه أتمتم لنفسي، أسترجع ما بقي من طفولتي، شعرت أن حي قصبة هدراش، لم يكن مجرد مكان عشت فيه، بل كان عالما كاملا يتنفس معي،أتذكر وأنا أمشي بين الأزقة والدروب العتيقة،حيث أسمع وقع خطواتي يتردد كما لو أنه صدى لسنوات مضت، سنوات كنا نؤمن فيها أن ما نحلم به سيتحقق لا محالة، لأن الخيال خيالنا نثوق اليه ليس هروبا من الواقع بل امتدادا له ،بين واقع وحلم جاثم على عقولنا الصغيرة بقصص تطل علينا من وحي الخيال تبدو انها لا تصدق..لكنه جزء من حياتنا..

هنا ظهرت شخصية ((امي محجوبة ))لتسيطر على مخيلة الحي، تلك المرأة الغامضة التي تظهر فجأة لتبشر أحدهم بمستقبله أو تنذره بما ينتظره، كنا نخافها ونترقبها في الوقت نفسه، نخشى أن تقتحم بيوتنا، ونصدق كل حكاية تروى عنها، حتى صارت جزءا من قدرنا الذي لم نشك فيه لحظة،وأثناء تجوالي، تذكرت أصدقاء الطفولة، وكثيرا منهم سافر عبر الزمن بين الحاضر والماضي في ملكوت الله، جميعهم كانوا يتفننون في دراستهم، يتنافسون على المراتب الأولى، بينما كنت أفر وسلمان من مدرسة تعج بكثير ممن تفننوا في معاقبة أطفال ابرياء،بطونهم لم تشبع بعد وأجسادهم شبه عارية،وكل مافي اذهانهم ،عقاب بعد كل حصةدينية، المفر ان نفر من ذاك المكان كما يفر النحل من لقاح الورد حين يمزج بذخان الحشيش المتبقى بعد عملية الحصاد الصيفية،نعم كنت افر لا اريد معانقة دفاتر “الحساب” و”الأشياء” .

اصبحت حانوت باحجوب((الخياط))هي الملاذ الذي لا مفر منه رغم مايعاب، كنا نلتقي ها هنا نركض ونضحك ونحلم بأن نصبح شيئا يفوق الخيال، شيئا يشبه الاسوار الاسماعيلية الشامخةوقصبة هدراش نفسها في شموخهاالتاريخي قديما .

كانت صداقاتنا بسيطة لكنها صادقة، تحمل في داخلها براءة لا تتكرر،ثم عاد إلى ذهني وجه “المعلم” الذي تعلمت عنه فن الخياطة، رحمه الله، كان قاسيا، صعب المزاج، لا يعرف الابتسامة إلا إذا خانته. العصا كانت رفيقته، والسب لغته، والشتائم موسيقاه اليومية.

كنت أكرهه تارة وأحبه اخرى حينما اتذكر باب المدرسة، كنت أعود إليه كل يوم، لأن الورشة التي تجمعنا كانت أجمل من قسوته كنا نحب الخياطة، وما نجني منها كل يوم خميس،من خلالها نحب رائحة الاسفنج المنبعث من محل الحاج امحمد، ونحن نطمع فيما سيجود به علينا كل صباح وان لم يكن، ننتظر من يفعل ذلك من الزبائن،((بصحتك اعمي الحاج/رغم انه ليس بحاج/ ماشاء الله واتتك الجلابة ،القياس واعر،الله يحفظك لولداتك تبيضة الله يبيض وجهك في الجنة اسيد الحاج))يأخذ سرته البيضاء ويفتحها ويسلم للمعلم اربع ريالات بالتمام والكمال ويصر عليه؛(هاذي حلاوة الدراري)، كنا نشعر أننا نصنع شيئا حقيقيا، شيئا نحقق من خلاله ذواتنا،كنا نبدع في كل شيء حتى الكلام المعسول واللحن الموزون و لهذا السبب بقي “سيد المحجوب “في ذاكرتي رغم كل شيء،وفي ليالي الشتاء، حين يهدأ الحي ويبرد الهواء مباشرة بعد صلاة العصر،،

كانت أصوات الذكر العيساوي تتردد بين الجدران في ذلك المكان الذي تنبعث منه روائح كل شيء،ولاتكاد ترى وجه اي احد فظلمات الليل تكتنف الجميع ويزيدها ذخان ايذانا بمايشربونه من عشبة تكاد لا تخلو من منزل احد، الشيخ المقدم با ادريس يبدا الذكر بالصلاة على النبي صلى الله وعليه وسلم ،ثم يبدأ الجميع في ترديد سبحان الدايم والجميع يستظهر (معنا تحضر يا الهي…باركت السادات يالهي…)يبدأ “باعبد القادر” ويقول يا لطف الله الخافي….ويتبعه الجمع ،بعضهم ينشد تارة والمقدم يصحح تارة اخرى ، تخالهم ينسجون خيطا بين الأرض والسماء، كنا نقف بعيدا، نراقبهم ،نتوق الى ترديد ما كانوا هم به مدمنون كنا نرتجف من البرد ومن الرهبة، ونشعر أن قصبة هدراش وفي ذلك المكان تتحول إلى معبد صغير كما كنا نتخيله في افلام الابيض والاسود بما جادت به فرنساعلينا.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى