كتاب رأي

الحلقة الأولى.. ملاحظات غير بريئة حول إضرابات غير عادية

إضرابات الأساتذة واحتجاجاتهم ملأت الدنيا، وشغلت الناس. أينما وليت وجهك فحتما ستجد هناك حديثا عن هذا الحراك، حديثا مساندا؛ مدافعا، يفسر؛ ويبرر؛ ويبين، أو حديثا ضد، ينتقد؛ وقد يقترح أو يعلل. أحاديث على وسائل الإعلام التقليدية من تلفزة وإذاعة وجريدة؛ حديث على وسائل التواصل الاجتماعي بكل انواعها وتفصيلاتها. الكل منشغل بإضرابات رجال التعليم، وتسريح التلاميذ في المدرسة العمومية، وهدر الزمن المدرسي وكرامة رجل التعليم، وعن النظام الأساسي لموظفي وزارة التربية الوطنية، ونتائج جلسلت الجوار، وتساؤلات تُطرح هنا وهناك عن أحقية النقابات في التفاوض باسم المضربين رغم انها ليست هي الداعية إليها، وضرورة إشراك التنسيقيات التي تقود المعركة ومدى قانونية هذا الطرح….

يدخل نشطاء الفايسبوك وأصحاب القنوات على اليوتوب على الخط، ويقتحم الموضوع عنوة الجميع؛ أساتذة جامعيون وفنانون ووزراء وإعلاميون… اختلط الحابل بالنابل فلم يعد يُعرف “الضارب والهارب”..

مشهد جمع الغرائبي والعجيب وغير المألوف. في السابق كان الحديث عن الإضرابات يبقى محصورا في دائرة ضيقة لا تتجاوز بعضا من الفئة المضربة، والجهة الداعية إلى الإضراب، أما وسائل الإعلام فقد كان حديثها محتشما حيث لا يتعدى حديث الإعلام الرسمي، الوقوف عند نسبة المشاركة رغبة في إظهار فشل الإضراب، مع الوقوف عند ما تراه تجاوزا، أما الإعلام الحزبي فقد كان يقف عند نسب المشاركة من وجهة نظر معاكسة لما يراه الإعلام الرسمي، مع إظهار التجاوزات.

شخضيا، أول إضراب انخرطت فيه كان هو الإضراب العام ليوم 14 دحنبر 1990، كنت أخطو خطواتي المهنية الأولى، لا تزال الحركات الطلابية بالجامعة حاضرة بالبال بحلقياتها وشعاراتها وإضراياتها التي لا تنتهي. في المقابل كان هناك معنا في المؤسسة والبلدة التي كنت بها (تنجداد) من لا يزال يتذكر إضرابات الثمانينيات التي لم بكن التهديد فيها هو تعرض الأجرة للاقتطاع، بل قطع الرؤوس والزج بها في متاهات لا يُعرف كيف ستنتهي، فرأوا في شخصي غرا لا يقدر العواقب، في أحاديث ودية فيها احترام من المضربين وغير المضربين. في الإعلام، ظهر في مساء يوم الإضراب الجانب المظلم، وفي صبحية اليوم الموالي قدم الإعلام الحزبي صورة مغايرا عما وقع.

اليوم، الأحوال غير الأحوال، هامش الحرية اتسع، إعداد المشاركين في الاحتجاج بلغ أرقاما قياسية، حناجر المحتجين في الشوارع تصدع، والنقاش لا يتوقف، ومتابعة ما وقع ويقع يحدث أولا بأول. وبين هذا وذاك، أقدم ملاحظات غير بريئة حول إضرابات غير عادية.

الملاحظة الأولى تُحسب للوزير شكيب بنموسى وفريقه من تقنيين وخبراء ومستشارين… جحافل اشتغت في السر والعلن من أجل إعداد وثيقة هلامية لا يفهم تفاصيلها إلا الراسخون في العلم، ولا أدل على ذلك من حملات الشرح والتوضيح والتفسير والتقريب وإزالة الغموض واللبس، كل هذا الفريق يُحسب له أنه حقق ما لم تستطعه الأوائل، تجلى إنجازهم في قدرتهم على توحيد الصفوف واتفاق الجميع على رفض ما سُمي بالقانون الأساسي لموظفي وزارة التربية الوطنية رغم الحديث عن التجويد والتجريد والتهديد والتجميد، وهذا إنجاز غير مسبوق.

ملاحظة أخرى مرتبطة بالتواصل بين عناصر الجسم التعليمي. فقد بقي تواصلا رقميا بامتياز، تم إنشاء الصفحات والحسابات على مواقع وتطبيقات التواصل الاجتماعي من فاسيبوك وواتساب وغيرهما. البلاغات تصل أولا بأول، التفاعل يحدث بتزامن مع الحدث، وهو ما يغنينا عن القنوات الرسمية التي لا هدف لها سوى إطفاء الحريق بأسرع ما يمكن، وفي المقابل غاب التواصل المباشر والمؤسسي، أو كاد، قليلة هي المؤسسات التي فُتحت بداخلها حوارات أو لقاءات للإخبار والتحفيز والنقاش، فمهما بلغت قوة التواصل الرقمي، فإن الحديث المباشر له تأثير لا يمكن تغافله.

على مستوى النتائج على أرض الواقع، بلغت نسبة الإضراب في جل المؤسسات مائة بالمائة، وحتى المؤسسات التي لم تعرف انخراط الجميع تراوحت فيها نسبة المشاركة بين 98 و80 من المائة، ورغم ذلك، كانت هناك رغبة جامحة في تحقيق الإجماع في الالتفاف حول مطلب سحب النظام الأساسي وتحقيق مطالب فئات رجال التعليم، هذه الرغبة فتحت معارك جديدة من الضرب تحت الحزام، تم خلالها اللجوء إلى اسلحة من العيار الثقيل كالتخوين والتنكيت والتبكيت باللجوء إلى مخزون وافر من الشتائم وأقدح النعوت والأوصاف من قبيل استحضار قصة أيوب الممتنع عن المشاركة في الإضرابات مصحوبة بكم كبير من التوابل والبهارات.

هذا تصرف مرفوض يذكرنا بأنظمة الحزب الواحد ومعارك التحرير في دول لاحقت المنسحبين بما لم يخطر بالبال، وحري في مثل هذه المناسبات أن نتمثل قيما عليا تظهر رجل التعليم في مظهر لائق، متحضر، متفهم. شخصيا أرفض الحديث عن قيمة التسامح لأنها قيمة ملأى بالتعالي المفرط والثقة في النفس العالية لدرجة النرجسية. فحين تتحدث عن التسامح فذلك يعني أنه رغم إيمانك بخطإ الآخر فأنت ستغفر له في انتظار أت يثوب إلى رشده، لذلك أتحدث عن القبول بالآخر المختلف الذي ليس بالضرورة المخطئ، بل قد يكون على صواب، وقد اكون أنا المخطئ… فلو ساد هذا النوع من السلوك والتعامل لكنا خضنا معركة حضارية وقدمنا أعمق الدروس، ولبذلنا مجهودا أكبر في التواصل المباشر الذي يُعلي من فضيلة الحوار، فالحوار فقط، وليس التشهير والإهانة ، هو ما يمكن أن يُحدث الفارق.

المزيد من الملاحظات البريئة في الحلقة الثانية.

يتبع…

مقالات الرأي المنشورة في موقع ميديا15 لا تعبر عن سياسة الخط التحريري للموقع

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى