اش واقع فمدينتي

فيضانات آسفي: حين تتحول الجغرافيا إلى سؤال مفتوح حول البنية التحتية

توفيق اجانا

أعادت الفيضانات الأخيرة التي شهدتها مدينة آسفي إلى الواجهة نقاشًا عميقًا حول واقع البنية التحتية ومدى جاهزية المدينة لمواجهة الظواهر المناخية المتطرفة. فحجم الخسائر المسجلة يثير تساؤلات مشروعة حول ما إذا كانت التساقطات المطرية وحدها كافية لتفسير ما حدث، أم أن الأمر يكشف، بشكل غير مباشر، عن اختلالات أعمق في التخطيط الحضري وتدبير المجال، خاصة في مدينة تتقاطع فيها الطبيعة مع التاريخ والعمران.

وتُظهر المعطيات المجالية، كما هو واضح في الصورة المتداولة، أن واد الشعبة يشق النسيج الحضري لآسفي ويمر بمحاذاة أحياء مأهولة، قبل أن يصب في المحيط الأطلسي، بالقرب من المدينة العتيقة. ومن الناحية النظرية، يُفترض أن يشكل هذا الارتباط بالبحر عامل تصريف طبيعي لمياه الأمطار. غير أن ما وقع يفتح الباب أمام عدد من السيناريوهات المحتملة، التي قد تفسر كيف تحولت هذه الوضعية الجغرافية إلى مصدر خطر بدل أن تكون عنصر أمان.

من بين هذه السيناريوهات، احتمال تزامن التساقطات المطرية الغزيرة مع ارتفاع منسوب مياه البحر خلال فترات المد، ما قد يؤدي إلى إعاقة تصريف مياه الواد نحو البحر بشكل مؤقت، فتتراكم المياه داخل المجرى وتبدأ في الارتداد نحو المناطق المنخفضة. كما قد يكون لضيق مجرى الواد داخل المجال الحضري، نتيجة التوسع العمراني، دور في تقليص قدرته الاستيعابية، ما يحوله في لحظات الذروة المطرية إلى نقطة اختناق مائي.

سيناريو آخر محتمل يرتبط بضعف التهيئة المواكبة لمجاري الأودية داخل المدن، سواء من حيث الصيانة الدورية، أو تعميق المجرى، أو إحداث منشآت وقائية كأحواض تجميع المياه وقنوات التحويل. وفي حال غياب هذه الإجراءات أو محدوديتها، تصبح الأمطار القوية اختبارًا حقيقيًا لقدرة البنية التحتية على الصمود، خاصة في الأحياء التاريخية التي لم تُصمم في الأصل لتحمل الضغط المائي الناتج عن التحولات المناخية الحديثة.

كما لا يمكن استبعاد فرضية انسداد أو ضعف قنوات تصريف مياه الأمطار داخل بعض الأحياء، نتيجة تراكم الرواسب أو النفايات، ما يسرّع من ارتفاع منسوب المياه ويحوّل الفيضانات من ظاهرة طبيعية إلى أزمة حضرية. وفي جميع هذه السيناريوهات، يظل السؤال الجوهري مطروحًا: هل كانت المدينة مهيأة تقنيًا للتعامل مع مثل هذا السيناريو المعروف علميًا، أم أن ما وقع يعكس فجوة بين المعرفة التقنية والتطبيق الميداني؟

إن فيضانات آسفي لا يمكن اختزالها في حادث عابر، بل تشكل مناسبة لإعادة تقييم اختيارات التهيئة الحضرية، ومدى إدماج البعد الجغرافي والمناخي في السياسات العمومية. وحماية الأرواح والممتلكات لا يجب أن تظل رهينة تدخّلات ظرفية أو وعود مؤجلة، بل تتطلب رؤية استراتيجية واضحة تقوم على التقييم الصريح للاختيارات السابقة، وتصحيح مكامن الخلل، وإرساء آليات محاسبة وقائية تسبق الفاجعة بدل أن تأتي بعدها. فآسفي، بما تحمله من قيمة تاريخية وإنسانية، تستحق أن تكون مدينة آمنة قبل أن تكون مدينة متضررة، وأن يُنظر إلى بنيتها التحتية كاستثمار في الحياة، لا كعبء ينتظر الانهيار مع أول اختبار طبيعي قاسٍ.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى