
توفيق اجانا
كلما تجدد النقاش حول مستقبل مدينة مكناس، يطرح المواطنون السؤال نفسه: إلى متى ستظل الساحة المحلية مرتبطة بالوجوه نفسها؟ ومتى ستفتح الأبواب أمام جيل جديد من الشباب، يحمل أفكارا جديدة ورؤية مختلفة لتدبير الشأن العام؟
مكناس مدينة عريقة، بتاريخها وإمكاناتها وطاقاتها البشرية، وتتوفر على شباب متعلم وفاعل وطموح، قادر على تقديم الكثير إذا أتيحت له الفرصة. لكن الإشكال الذي يطرح نفسه اليوم ليس في غياب الكفاءات، بقدر ما يرتبط بمدى استعداد المشهد السياسي والمؤسساتي لمنح هذه الكفاءات فرصة حقيقية للظهور والمشاركة وتحمل المسؤولية.
لقد قدمت مدينة مكناس الكثير، ومرت عليها سنوات واستحقاقات ومراحل سياسية مختلفة، لكن المواطن المكناسي يريد أن يرى تجديدا حقيقيا في الوجوه والأفكار وأساليب العمل، لا مجرد إعادة ترتيب للأسماء نفسها في كل محطة.
والسؤال هنا ليس موجها ضد أشخاص بعينهم، ولا يعني التقليل من تجربة من سبقوا وتحملوا المسؤولية، فالتجربة لها قيمتها، لكن الاستمرارية الطويلة دون ضخ دماء جديدة قد تجعل المشهد يفتقد إلى الحيوية المطلوبة.
الشباب اليوم لا يريد أن يكون مجرد رقم في الحملات الانتخابية، أو حاضرا في الصور واللقاءات، ثم يعود إلى الصفوف الخلفية بعد انتهاء الاستحقاق. الشباب يريد أن يكون شريكا في صناعة القرار، وأن تمنح له الثقة والمسؤولية، وأن يقاس حضوره بالكفاءة والقدرة على الإنجاز، لا بالسنوات التي قضاها في المشهد السياسي.
مكناس تحتاج إلى تجديد النخب، وإلى فتح المجال أمام طاقات جديدة قادرة على الإنصات للمواطن، واستيعاب التحولات التي تعرفها المدينة، والتعامل مع ملفاتها بعقلية حديثة تقوم على التخطيط والنتائج وربط المسؤولية بالمحاسبة.
لكن الأمر لا يرتبط بمدينة مكناس وحدها، بل هو سؤال مطروح في المغرب ككل: إلى متى ستظل الوجوه نفسها تتداول مواقع المسؤولية السياسية والانتخابية؟ ومتى يحين الوقت لفتح المجال أمام جيل جديد من الشباب؟
فالمغرب يتغير، والمجتمع المغربي يتغير، وطموحات الأجيال الجديدة تتغير، ومن الطبيعي أن يواكب المشهد السياسي والمؤسساتي هذه التحولات. فالشباب المغربي اليوم أكثر حضورا في النقاش العمومي، وأكثر اطلاعا على ما يجري حوله، وأكثر رغبة في المشاركة وصناعة المستقبل، لكنه في المقابل يطرح سؤالا مشروعا: لماذا تظل مواقع القرار السياسي في كثير من الأحيان مرتبطة بأسماء ووجوه اعتاد المواطن رؤيتها منذ سنوات؟
لا يتعلق الأمر بإقصاء أصحاب التجربة، ولا بالتقليل من قيمة الكفاءات التي راكمت سنوات من العمل السياسي، وإنما يتعلق بضرورة تحقيق التوازن بين الخبرة والتجديد، وبين من راكموا التجربة ومن يحملون أفكارا جديدة وطموحات مختلفة. فالديمقراطية لا تعني فقط تداول البرامج، وإنما تعني أيضا القدرة على تجديد النخب وإتاحة الفرصة أمام أجيال جديدة لتحمل المسؤولية.
لقد آن الأوان لكي يقول الشباب المغربي كلمته، ليس فقط في النقاشات والفضاءات الرقمية، وليس فقط خلال الحملات الانتخابية، وإنما أيضا في صناديق الاقتراع. وإذا لم تتوفر له الفرصة في أن يكون وكيلا للائحة، أو لم تفتح أمامه الأبواب السياسية بالقدر الذي يستحقه، فإن صوته الانتخابي يظل أداة ديمقراطية حقيقية للتعبير عن اختياراته وطموحاته وانتظاراته.
فالتغيير لا يرتبط دائما بامتلاك موقع داخل لائحة انتخابية، بل يمكن أن يبدأ من المواطن نفسه، من قراره، من اختياره، ومن الطريقة التي يمنح بها ثقته. والشباب الذي لم يجد لنفسه مكانا في مقدمة المشهد السياسي، يستطيع أن يجعل من مشاركته الانتخابية رسالة واضحة مفادها أن الجيل الجديد يريد أن يكون شريكا في صناعة المستقبل، لا مجرد متفرج على صناعة القرار.
ولذلك، فإن الاستحقاقات الانتخابية ليست مجرد موعد لاختيار أسماء، وإنما فرصة لمراجعة الاختيارات، وتقييم التجارب، ومساءلة البرامج، وفتح الباب أمام الكفاءات والطاقات الجديدة، بعيدا عن منطق الوجوه الدائمة والمواقع المحفوظة.
المغرب يحتاج إلى خبرة الكبار، لكنه يحتاج أيضا إلى طاقة الشباب. يحتاج إلى الاستمرارية حين تكون مفيدة، وإلى التجديد حين يصبح ضروريا. وبين الخبرة والتجديد يمكن أن تصنع مرحلة سياسية أكثر حيوية، وأكثر قدرة على الاستجابة لانتظارات المغاربة.
والسؤال الذي يبقى مطروحا اليوم، ليس فقط: من سيقود اللوائح؟ وإنما: متى سيحصل الشباب المغربي على فرصته الحقيقية في القيادة وصناعة القرار؟ ومتى يتحول شعار تشبيب النخب من خطاب انتخابي إلى ممارسة فعلية؟
ربما تكون الإجابة في يد الشباب نفسه، عندما يدرك أن صوته ليس مجرد ورقة توضع في صندوق، وإنما مسؤولية واختيار ورسالة، وأن التغيير الديمقراطي يبدأ حين يقرر المواطن بنفسه من يستحق ثقته.
والدعوة هنا ليست دعوة للتصويت لفائدة حزب أو مرشح بعينه، وإنما هي دعوة إلى المشاركة في الاستحقاق الانتخابي، وتفادي العزوف، وممارسة الحق في الاختيار بكل حرية ومسؤولية، لأن مستقبل المؤسسات لا يصنعه العازفون عن المشاركة، وإنما يصنعه المواطنون الذين يمارسون حقهم في التصويت ويختارون من يرونه الأقدر على تمثيلهم.


