اش واقع فمدينتي

جدل تدبير العقار الجماعي بمكناس: بين التفويت والاستثمار المستدام

توفيق اجانا

في خضم الجدل القائم حول تدبير الرصيد العقاري بمدينة مكناس، يطرح سؤال جوهري يتعلق بجدوى تفويت العقارات الجماعية تحت مبرر تحقيق المصلحة العامة. واستحضار هذا المفهوم، رغم مشروعيته القانونية في إطار القانون التنظيمي رقم 113.14، لا يعفي من ضرورة قراءة نقدية دقيقة لكل قرار تفويت، تتجاوز الشكل إلى جوهر التأثيرات المحتملة على المدى المتوسط والبعيد.

فالمصلحة العامة ليست مجرد عبارة فضفاضة تُستعمل لتبرير أي خيار تدبيري، بل معيار موضوعي يقتضي مقارنة البدائل المتاحة وتقدير آثار القرار على مختلف المستويات. والعقار الجماعي لا يمثل مجرد أصل مالي قابل للتحويل إلى سيولة، بل يشكل رصيداً استراتيجياً قادرًا على توليد موارد مستدامة إذا أُحسن استثماره.
وبناءً على ذلك، ينبغي أن يكون التفويت خيارًا

استثنائيًا لا توجهًا اعتياديًا، إذ أن بيع العقار يُفقد الجماعة ملكية مورد قد تتضاعف قيمته مع مرور الزمن، بينما يضمن الاستثمار فيه — عبر الكراء طويل الأمد، أو إحداث مشاريع مدرة للدخل، أو الدخول في شراكات تحفظ الملكية — تدفقًا ماليًا مستدامًا ويعزز الاستقلالية المالية للجماعة.

كما أن التفكير في الحفاظ على ما تبقى من الأملاك الجماعية ينسجم مع منطق التدبير الاستراتيجي للموارد، خاصة في ظل الإكراهات المالية التي تواجهها الجماعات الترابية. فبدلاً من استنزاف الرصيد العقاري لتغطية حاجيات آنية، قد يكون من الأنسب تحويله إلى رافعة تنموية تمكّن من تمويل المشاريع المستقبلية دون التفريط في الأصل.

ويتيح القانون التنظيمي رقم 113.14 التفويت ضمن ضوابط محددة (كما تؤطرها مقتضيات القانون رقم 57.19)، لكنه لا يجبر عليه، ما يجعل الحكامة الجيدة تقتضي تقييمًا دقيقًا يوازن بين العائد الفوري من البيع والعائد التراكمي للاستثمار طويل الأمد. وهنا يكمن البعد الحقيقي للمصلحة العامة: هل تتحقق عبر مورد مالي سريع أم عبر بناء قاعدة أصول قوية تضمن استقرارًا ماليًا مستدامًا للجماعة؟

ويبقى هذا الطرح في إطار النقاش العمومي المشروع حول أفضل سبل تدبير الملك الجماعي، دون المساس بصلاحيات المؤسسات المنتخبة واختصاصاتها القانونية. فالنقاش حول العقار الجماعي في مكناس لا ينبغي أن يقتصر على مشروعية القرار، بل على فلسفة التدبير المعتمدة، حيث قد يرتبط المستقبل المالي للجماعة بالاختيارات التي تُتخذ اليوم بين منطق التفويت ومنطق الاستثمار، وبين تدبير ظرفي للحاضر ورؤية استراتيجية لصناعة الغد.

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى