اش واقع فمدينتي

بين المساندة والنقد: هل يمكن الوقوف في ضفتي الحكومة والمعارضة؟

توفيق اجانا

في السياسة، لا تكمن المفارقة دائما في اختلاف المواقف، بل قد تكمن أحيانا في اللغة التي نحاول بها الجمع بين مواقف تبدو متعارضة. ولعل عبارة «المساندة النقدية للحكومة» واحدة من أكثر التعبيرات التي تستحق التأمل، لأنها تضعنا أمام سؤال يتجاوز المصطلحات السياسية إلى جوهر الممارسة الديمقراطية: هل يمكن لحزب سياسي أن يساند الحكومة وينتقدها في الوقت نفسه، دون أن يفقد وضوح موقعه وحدود مسؤوليته؟

من حيث المبدأ، لا شيء يمنع حزبا سياسيا من دعم قرار حكومي يراه مناسبا، وانتقاد قرار آخر يعتبره مخالفا لتصوراته أو لالتزاماته الانتخابية. فالعمل السياسي ليس خصومة دائمة، كما أن المسؤولية الوطنية لا تعني الموافقة المطلقة على كل ما يصدر عن الحكومة. غير أن الإشكال يبدأ عندما تتحول المساندة النقدية من موقف محدد المعالم إلى صيغة فضفاضة يصعب معها التمييز بين من يدعم الحكومة ومن يعارضها.

فالحكومة، في نهاية المطاف، تحتاج إلى أغلبية تتحمل مسؤولية برنامجها وقراراتها، بينما تحتاج الديمقراطية إلى معارضة تمارس الرقابة، وتقدم البدائل، وتكشف أوجه القصور. وبين الموقعين توجد مساحات للتوافق والتعاون، لكنها لا تعفي الفاعل السياسي من ضرورة تحديد موقفه بوضوح أمام المواطنين.

وهنا يبرز السؤال الجوهري: إذا كان الحزب يساند الحكومة في القضايا الأساسية التي تشكل جوهر برنامجها، فما الذي يميزه عمليا عن أحزاب أغلبيتها؟ وإذا كان ينتقد اختياراتها الكبرى، فما الأساس السياسي الذي يبرر استمرار مساندته لها؟ أما إذا كانت المساندة مشروطة بملفات محددة، فإن المطلوب هو الإعلان عن هذه الشروط، وتحديد المجالات التي يشملها الدعم، وتلك التي تستوجب الاعتراض، حتى لا تتحول المرونة السياسية إلى غموض في المسؤولية.

إن أخطر ما يمكن أن تنتجه هذه الصيغ ليس مجرد التباس في المصطلحات، بل صعوبة تحديد المسؤولية السياسية. فالناخب الذي يمنح صوته لحزب على أساس برنامج انتخابي معين، من حقه أن يعرف موقع هذا الحزب بعد الانتخابات: هل يشارك في تنفيذ البرنامج الحكومي؟ هل يراقب أداء الحكومة من موقع المعارضة؟ أم يختار مساندة بعض قراراتها من خارج أغلبيتها؟ لكل اختيار منطقه السياسي، لكن لكل اختيار أيضا تبعاته التي ينبغي ألا تختفي خلف العبارات المرنة.

وليس من الإنصاف اعتبار كل مساندة نقدية تناقضا أو مناورة، كما لا يصح منحها حصانة من النقد لمجرد تقديمها باعتبارها شكلا من أشكال التوافق. فالمعيار الحقيقي ليس الاسم الذي يختاره الحزب لموقفه، وإنما طبيعة القرارات التي يدعمها، وحدود اعتراضه، ومدى انسجام ممارسته مع خطاباته السابقة، وقدرته على تفسير اختياراته للرأي العام.

المساندة النقدية للحكومة على محك الدستور: بين حرية الاختيار ووضوح المسؤولية

إذا كانت عبارة «المساندة النقدية للحكومة» تثير إشكالا على المستوى السياسي واللغوي، فإنها تطرح، من الناحية الدستورية، سؤالا أكثر دقة يتعلق بموقع الحزب داخل البنية المؤسساتية، وحدود العلاقة بين الأغلبية والمعارضة في النظام الدستوري المغربي.

فدستور المملكة لسنة 2011 لم يجعل البرلمان مجرد فضاء للتصويت على مشاريع الحكومة، بل أسند إليه وظائف التشريع ومراقبة العمل الحكومي وتقييم السياسات العمومية. كما كرس للمعارضة مكانة مؤسساتية وحقوقا خاصة، ولا سيما بموجب الفصلين 10 و60. وبذلك، فإن العلاقة بين الحكومة والبرلمان لا تختزل في ثنائية التأييد المطلق والرفض المطلق، بل تقوم على تعدد الأدوار واختلاف المواقف بحسب طبيعة الملفات المطروحة.

غير أن الدستور لا يقدم «المساندة النقدية» باعتبارها صفة دستورية مستقلة تحدد بذاتها موقع الحزب داخل البرلمان. وهنا يصبح من الضروري التمييز بين حرية الحزب في اتخاذ موقف سياسي معين، وبين وضعيته المؤسساتية وما يرتبط بها من حقوق والتزامات وفقا للدستور والأنظمة الداخلية ذات الصلة.

فالفصل 10 من الدستور يضمن للمعارضة البرلمانية حقوقا تمكنها من المشاركة في العمل التشريعي ومراقبة الحكومة ومساءلتها، فيما يعتبر الفصل 60 المعارضة مكونا أساسيا في مجلسي البرلمان. ولا يعني ذلك أن المعارضة ملزمة برفض كل مشروع حكومي، أو أن تأييد حزب لمبادرة حكومية يحوله تلقائيا إلى جزء من الأغلبية. فالتصويت على مشروع قانون مسألة، والانضمام إلى الأغلبية الحكومية أو تحديد الوضعية البرلمانية للحزب مسألة أخرى.

لكن هذا التمييز لا يلغي الإشكال السياسي، بل يجعله أكثر دقة. فإذا كان الحزب يدعم اختيارات حكومية أساسية، فمن حق الرأي العام أن يعرف طبيعة هذا الدعم وحدوده. وإذا كان ينتقد تلك الاختيارات، فمن حق المواطنين أن يتعرفوا على البدائل التي يقترحها. أما إذا اختار موقعا وسطا، فعليه أن يوضح الأسس التي تحكم هذا الاختيار، حتى لا تختلط حرية الموقف السياسي بغموض المسؤولية المؤسساتية.

ومن زاوية ربط المسؤولية بالمحاسبة، وهو مبدأ دستوري يؤطر ممارسة السلطة، تبرز أهمية وضوح المواقف السياسية. فالمحاسبة لا تستقيم عندما يصعب على المواطن تحديد طبيعة مساهمة كل حزب في القرارات العمومية، أو التمييز بين من يتولى تدبير الشأن الحكومي ومن يمارس الرقابة عليه. لذلك، لا يتعلق الأمر بمجرد نقاش حول تسمية سياسية، بل بمدى قدرة الممارسة الحزبية على الانسجام مع متطلبات الشفافية والمساءلة الديمقراطية.

وعليه، لا يمكن اعتبار المساندة النقدية مخالفة للدستور لمجرد أنها تجمع بين الدعم والانتقاد، لكنها ليست، في المقابل، وضعا دستوريا مستقلا يعفي الحزب من احترام القواعد المنظمة لموقعه البرلماني. فالدستور لا يفرض على الأحزاب تطابق المواقف، لكنه يضع إطارا مؤسساتيا يقتضي وضوح الأدوار واحترام الحقوق المرتبطة بها.

وهنا يكمن السؤال الدستوري الحقيقي: ليس هل يستطيع الحزب أن يساند الحكومة وينتقدها، بل هل يحدد موقفه بما يكفي لتمييز طبيعة علاقته بها، وهل يظل موقعه المؤسساتي واضحا، وهل يتحمل المسؤولية السياسية عن القرارات التي يدعمها؟

إن حرية الاختيار السياسي لا تعني التحرر من المحاسبة، كما أن المرونة في المواقف لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة لإبقاء الحدود بين الأغلبية والمعارضة ملتبسة. فالديمقراطية لا تقتضي أن تكون جميع الأحزاب في خندق واحد، وإنما تقتضي أن يكون لكل حزب موقف مفهوم، وممارسة قابلة للتقييم، ومسؤولية يمكن تحديدها.

بين مشروعية الموقف وإشكالية الممارسة

إن الديمقراطية لا تحتاج إلى معارضة ترفض كل شيء لمجرد الرفض، ولا إلى مساندة تتحول إلى موافقة غير مشروطة، بل تحتاج إلى مواقف واضحة، وبرامج قابلة للمساءلة، وفاعلين سياسيين يتحملون نتائج اختياراتهم. أما الجمع بين الدعم والنقد، فلا يكتسب مشروعيته السياسية بمجرد إطلاق تسمية جذابة عليه، بل بمدى وضوح قواعده واستقلالية قراره.

وفي هذا السياق، ينبغي ألا يتحول النقاش حول المساندة النقدية إلى محاكمة مسبقة للنوايا، بل إلى مساءلة موضوعية للممارسة: ما الملفات التي يشملها الدعم؟ ما القرارات التي يرفضها الحزب؟ هل يعلن مواقفه قبل التصويت أم يكتفي بتبريرها بعد اتخاذ القرار؟ وهل يستطيع المواطن أن يفهم من خلال هذه المواقف طبيعة العلاقة التي تربط الحزب بالحكومة؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي تسمح بالتمييز بين مساندة تقوم على توافقات واضحة، وأخرى تظل مفتوحة على التأويل. فليس كل توافق تنازلا عن المبادئ، كما أن ليس كل نقد دليلا على الاستقلالية السياسية. العبرة في الحالتين هي وضوح الموقف، واتساقه مع البرنامج المعلن، والقدرة على تحمل نتائجه أمام الناخبين.

وفي المحصلة، قد تكون «المساندة النقدية» خيارا سياسيا مشروعا، لكنها تظل مطالبة بالإجابة عن سؤال بسيط وعميق في آن واحد: ماذا يساند الحزب تحديدا، وماذا ينتقد، وأين تبدأ مسؤوليته وأين تنتهي؟

ففي السياسة، ليست المشكلة أن يغير الفاعل موقفه أو أن يراجع اختياراته، وإنما أن يظل موقعه ملتبسا إلى الحد الذي يصعب معه على المواطن أن يعرف من يدعم القرار، ومن يعارضه، ومن يتحمل مسؤولية نتائجه.

لأن النقد دون موقف واضح قد يتحول إلى مجرد خطاب، والمساندة دون شروط معلنة قد تتحول إلى مسؤولية غير معترف بها. وبينهما تظل القاعدة الأساسية للعمل الديمقراطي قائمة: لا قيمة لموقع سياسي لا يستطيع صاحبه أن يشرح للمواطنين مضمونه، ولا معنى للمحاسبة إذا تعذر تحديد المسؤول عن القرار.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى