اش واقع فمدينتي

موسم سيدي علي بن حمدوش.. حين يستعيد الذكر روحه وتتقدم الذاكرة نحو ترشيد الموروث

توفيق اجانا

سنة بعد أخرى، يبدو أن موسم الولي الصالح سيدي علي بن حمدوش يمضي في اتجاه جديد، اتجاه لا يقطع مع الذاكرة ولا يدير ظهره للموروث، لكنه يحاول أن يعيد ترتيب المشهد من الداخل، وأن يمنح للجانب الروحي والديني مكانته التي تليق به، بعيدا عن بعض الممارسات التي ظلت، لسنوات، تثير الكثير من النقاش حول صورة الموسم وما يرتبط به من سلوكيات.

ولعل ما ميز انطلاقة الموسم هذه السنة أن التغيير لم يكن صاخبا، بل جاء هادئا، وفي تفاصيل قد تبدو بسيطة، لكنها تحمل دلالات عميقة. فإغلاق الضريح بعد صلاة العشاء وإفراغه من الزوار في اليوم الأول للموسم، على سبيل المثال، يبعث برسالة واضحة مفادها أن للمكان حرمته، وللزيارة ضوابطها، وأن الحفاظ على قدسية الفضاء الروحي لا ينفصل عن تنظيمه وترشيد ما يرتبط به من ممارسات.

وقد يبدو هذا الإجراء، في ظاهره، مجرد تدبير تنظيمي، لكنه في العمق يمكن أن يساهم في الحد من بعض الممارسات غير السليمة التي قد تجد طريقها إلى فضاءات الأضرحة خلال ساعات الليل، دون حاجة إلى الدخول في مواجهة مباشرة معها أو تحويل الموسم إلى ساحة للاتهامات. فحين يصبح التنظيم أكثر حضورا، وتتحدد أوقات الزيارة، ويستعاد الضريح باعتباره فضاء للذكر والدعاء، تضيق تلقائيا المساحات التي يمكن أن تنمو فيها بعض الممارسات الدخيلة على جوهر التصوف.

وهنا تبرز أهمية الدور الذي يرفعه حفدة الولي الصالح سيدي علي بن حمدوش، وعلى رأسهم نقيب الشرفاء ممن اختاروا أن يكون الحفاظ على الطريقة الحمدوشية ومقوماتها الروحية جزءا من مسؤوليتهم تجاه هذا الإرث. فالمسألة، بالنسبة إليهم، لا تتعلق بحماية اسم أو موسم فحسب، وإنما بصون معنى؛ معنى الذكر الذي غايته التقرب إلى الله، وحفظ تقاليد الطريقة بما تحمله من أبعاد روحية وتربوية.

ومن هذا المنظور، يأتي استمرار تنظيم المهرجان الوطني لحمادشة في نسخته الثالثة ليعكس رغبة في إعطاء هذا الموروث مساحة أوسع للتعريف به من داخل بنيته الثقافية والروحية، وإخراجه من دائرة الاختزال في مظاهر الفرجة وحدها، نحو تقديمه باعتباره جزءا من ذاكرة مغربية لها رجالها وممارساتها وأذكارها وأصولها.

ولم يكن حضور القرآن الكريم والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعيدا عن هذا التوجه؛ فقد عرفت هذه السنة لحظة ذات دلالة خاصة، تمثلت في تقديم مجموعة من حفظة القرآن الكريم، الذين جابوا ازقة وشوارع سيدي علي بن حمدوش في مشهد روحاني، مرددين الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، قبل أن يبلغوا فضاء الضريح.

كان المشهد بسيطا في شكله، لكنه غني في معناه: يافعون يحملون القرآن في صدورهم، ويتقدمون نحو الضريح بالصلاة على النبي ﷺ. وكأن الرسالة تقول إن الموروث الروحي لا يستمد قوته من مظاهره الخارجية وحدها، وإنما من القيم التي يحملها، ومن قدرته على أن يكون جسرا بين الذاكرة الدينية والأجيال الجديدة.

وفي السياق نفسه، جاء مقترح تنظيم مسابقة سنوية لحفظة القرآن الكريم على مستوى مركز سيدي علي بن حمدوش، الذي طرحه عامل عمالة مكناس خلال استقباله مجموعة من اليافعين حفظة القرآن، ليضيف بعدا آخر إلى هذا المسار؛ إذ لا يتعلق الأمر بمجرد مسابقة، وإنما بإبراز الرصيد القرآني المحلي والتعريف بحفظة كتاب الله وتشجيع الناشئة على الاقتداء بهم.

وبين إغلاق الضريح ليلا، وتنظيم الموسم، وإبراز الذكر والصلاة على النبي ﷺ، وإشراك حفظة القرآن الكريم، ثم التفكير في مبادرات سنوية تعنى بهم، تتشكل ملامح تحول هادئ يمكن أن يقرأ باعتباره سعيا إلى استعادة المعنى قبل المظهر، وإلى جعل الموسم أقرب إلى رسالته الروحية وأبعد عن كل ما قد يسيء إلى صورته أو يختزل موروثه في ممارسات لا تمت إلى جوهره بصلة.

إن الحفاظ على الطريقة الحمدوشية لا يعني تجميدها في الماضي، ولا يعني إغلاق أبوابها أمام المجتمع، بل يعني، في المقام الأول، حماية أصولها الروحية، وتوثيق ذاكرتها، وتعريف الأجيال الجديدة بها، وفتح المجال أمام الممارسات التي تنسجم مع قيم الذكر والتربية والتقرب إلى الله.

ولذلك، فإن ما تشهده مواسم سيدي علي بن حمدوش من تحولات، وإن بدت متدرجة، قد تكون مؤشرا على إمكانية بناء نموذج أكثر توازنا: موسم يحفظ الذاكرة، ويصون حرمة المكان، ويحتفي بالذكر، ويمنح القرآن الكريم وحفظته موقعا في المشهد، ويترك للتراث أن يعيش بروحه لا بمجرد مظهره.

وربما هنا تكمن قيمة التجربة؛ فالموروث لا يحيا بكثرة ما يحيط به من مظاهر، وإنما بقدر ما يحتفظ بجوهره، وبقدر ما يستطيع أن يمد جسرا بين الماضي والحاضر، دون أن يفقد المعنى الذي من أجله وجد.

يتبع…

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى