
توفيق اجانا
في لحظة وطنية تعبّر عن عمق التبصر والرحمة، وجّه صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، يوم الأربعاء 27 شعبان 1446 هـ الموافق لـ26 فبراير 2025، خطابًا ساميًا إلى شعبه الوفي، تناول فيه الأوضاع الاستثنائية التي تمر بها البلاد قبيل عيد الأضحى المبارك، وما تفرضه من ضرورة التحلي بالحكمة والتبصر، والالتزام بروح الدين ومقاصده السامية.
وقد أكّد جلالته في خطابه الملكي على البعد الديني والاجتماعي العميق لهذه المناسبة، قائلاً:
“إن الاحتفال بهذا العيد ليس مجرد مناسبة عابرة، بل يحمل دلالات دينية قوية، تجسد عمق ارتباط رعايانا الأوفياء بمظاهر ديننا الحنيف وحرصهم على التقرب إلى الله عز وجل وعلى تقوية الروابط الاجتماعية والعائلية، من خلال هذه المناسبة الجليلة.
إن حرصنا على تمكينكم من الوفاء بهذه الشعيرة الدينية في أحسن الظروف، يواكبه واجب استحضارنا لما يواجه بلادنا من تحديات مناخية واقتصادية، أدت إلى تسجيل تراجع كبير في أعداد الماشية.
ولهذه الغاية، وأخذا بعين الاعتبار أن عيد الأضحى هو سنة مؤكدة مع الاستطاعة، فإن القيام بها في هذه الظروف الصعبة سيلحق ضررا محققا بفئات كبيرة من أبناء شعبنا، لاسيما ذوي الدخل المحدود.”
ورغم هذه الدعوة الملكية الحكيمة إلى التيسير والرحمة، فقد شهدت الأسواق المغربية قبيل العيد حالة من التهافت المفرط على اللحوم، ما تسبب في ارتفاع الأسعار بشكل مفاجئ، وعودة الارتباك إلى سوق الأضاحي بعد أن شهد انفراجًا نسبيًا فور الخطاب. كما سجلت تجاوزات خطيرة، أبرزها ترويج لحوم مجهولة المصدر، بل وصل الأمر حد الحديث عن بيع لحوم الحمير، وهو ما يمسّ بالسلامة الصحية، ويُضعف الثقة في سلاسل التموين الوطني.
وفي خطابه البالغ التأثير، قال جلالة الملك:
“ومن منطلق الأمانة المنوطة بنا، كأمير للمؤمنين والساهر الأمين على إقامة شعائر الدين وفق ما تتطلبه الضرورة والمصلحة الشرعية، وما يقتضيه واجبنا في رفع الحرج والضرر وإقامة التيسير، والتزاما بما ورد في قوله تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾، فإننا نهيب بشعبنا العزيز إلى عدم القيام بشعيرة أضحية العيد لهذه السنة.
وسنقوم إن شاء الله تعالى بذبح الأضحية نيابة عن شعبنا، وسيرا على سنة جدنا المصطفى عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، عندما ذبح كبشين وقال: “هذا لنفسي وهذا عن أمتي”.”
إن الخطاب الملكي كان بمثابة دعوة واضحة وصريحة للارتقاء بالسلوك المجتمعي نحو ثقافة العقل والإحسان والتكافل، والابتعاد عن الانشغال المفرط بمظاهر الاستهلاك الضيقة التي تعبر عن “شعيرة البطن”. ورغم وضوح هذه الرسالة النبيلة، فإن الواقع العملي أظهر للأسف ضعفًا في استيعابها من طرف البعض، الذين استمروا في ممارسات استهلاكية مفرطة وغير مسؤولة، مما أدى إلى تكرار أزمة السوق، وإعادة الإرباك إلى الجهود الحكومية التي تهدف إلى ضبط الأسعار وتخفيف العبء عن الأسر المغربية، لا سيما ذوي الدخل المحدود. وهذا يعكس ضرورة متجددة لتقوية الوعي المجتمعي وغرس قيم المواطنة الحقة التي تتطلب منا جميعًا تحمل المسؤولية الفردية والجماعية في ترجمة التوجيهات الملكية إلى أفعال ملموسة تخدم الصالح العام.
ولم يغفل الخطاب الملكي التأكيد على الطابع الروحي للمناسبة، حيث قال جلالته:
“نهيب بك أن تحيي عيد الأضحى إن شاء الله وفق طقوسه المعتادة ومعانيه الروحانية النبيلة، وما يرتبط به من صلاة العيد في المصليات والمساجد، وإنفاق الصدقات وصلة الرحم، وكذا كل مظاهر التبريك والشكر لله على نعمه مع طلب الأجر والثواب.
﴿قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني﴾. صدق الله العظيم.
إن الإقبال العشوائي الذي سجّلته الأسواق لا يُعبّر عن فهم سليم لمقاصد الشعيرة الدينية، بل يعكس استمرار ثقافة الرياء الاجتماعي والتكالب الاستهلاكي، التي لا تراعي الاستطاعة، ولا تأخذ بعين الاعتبار التوجيهات السامية الصادرة عن جلالة الملك، والتي تهدف إلى التخفيف لا التكليف، وإلى الرحمة لا المشقة.
ومن هذا المنطلق، فإن المسؤولية مشتركة: المواطن مسؤول عن وعيه، والتجار عن أخلاقهم، والمؤسسات عن المراقبة، كما أن الإعلام يتحمل مسؤوليته في توجيه السلوك الجماعي نحو الانضباط الوطني والديني في مثل هذه المناسبات.
لا يقتصر الحديث هنا على مستوى ديني فقط، بل يتعداه إلى مسؤولية تربوية واجتماعية، حيث ينبغي تعزيز قيم المواطنة الصادقة التي تُدين الأنانية والتصرفات الطائشة، وتؤكد على التضامن والتكافل الاجتماعي واحترام توجيهات القيادة الحكيمة.
إن استحضار مقاصد الشريعة الإسلامية، مع ما حمله الخطاب الملكي من توجيهات تُمكّن المواطن من تحقيق واجبه الديني دون تحميله ما لا يطيق، يعكس عقلانية شرعية وحكيمة تتطلب وقفة جادة أمام السلوكيات غير المسؤولة التي تضر بالاقتصاد الوطني وتزيد من معاناة ذوي الدخل المحدود.
لقد جسّد جلالة الملك محمد السادس، نصره الله، في خطابه نموذج القيادة الحكيمة التي تراعي الدين والدنيا، وتعكس عناية فائقة بالمصلحة العليا لشعبه. غير أن الواجب الوطني والديني يستوجب منا اليوم جميعًا التزامًا أعمق، يجعل من التوجيهات الملكية دافعًا للإصلاح الذاتي والمجتمعي، وسبيلًا إلى بناء مغرب متماسك، عادل، ومتضامن.
إن الالتزام الفعلي بتلك التوجيهات ليس خيارًا بل ضرورة، وهو ركيزة حقيقية لترسيخ قيم المواطنة الحقة، التي تعني احترام الدين، وحماية الاقتصاد، وتعزيز روح التضامن.
وفي خطابه السامي، جسّد جلالة الملك، نصره الله، نموذج القيادة الرحيمة الراعية لمصالح شعبه في الدنيا والدين، غير أن رد الفعل الشعبي لم يكن، في مجمله، في مستوى هذا التوجيه النبيل.
إننا اليوم مدعوون، أكثر من أي وقت مضى، إلى جعل الامتثال للتوجيهات الملكية شرفًا وواجبًا، لا خيارًا قابلًا للتأجيل، وإلى ترسيخ ثقافة الاستجابة الواعية، لأنها السبيل الحقيقي إلى مغرب أكثر عدلًا، وتماسكًا، وأمانًا اجتماعيًا.




