
الناصف بوروايل
تحية صادقة من باريس إلى مغربنا الغالي.
وأنا أتابع أوضاع الوطن من بعيد، أجد أن الوضعية الراهنة للمستشفيات العمومية والمستوصفات تكشف بجلاء عن خلل هيكلي عميق، ليس فقط على مستوى الآليات الطبية أو الأدوية أو الموارد البشرية، بل أيضًا على مستوى الحكامة والتسيير والتدبير الرشيد. إن الاحتجاجات المتأججة اليوم هي صرخة مواطنية طبيعية، تعبّر عن حاجة ملحّة إلى منظومة صحية قوية، عادلة، وفعّالة، تضع صحة المواطن فوق كل اعتبار.
الحكومة مدعوة إلى التحرك المستعجل، لكن التحرك وحده لا يكفي إن لم يكن مبنيًّا على رؤية استراتيجية شاملة: توفير موارد بشرية كافية ومدرّبة، تجهيزات طبية حديثة، أدوية أساسية، وتدبير إداري مالي نزيه وشفاف. فالمسألة ليست فقط في الاستجابة اللحظية، بل في إرساء ثقة المواطن في مؤسساته الصحية، عبر برنامج إصلاحي متكامل يحترم كرامته ويصون حقه المشروع في العلاج.
وإذا كان السؤال اليوم: هل تستطيع الحكومة أن تستجيب في وقت وجيز لهذه المطالب؟ فالجواب يرتبط بمدى استعدادها لاعتماد أسلوب جديد في العمل:
تشخيص واقعي بعيدًا عن الخطابات التجميلية.
برمجة محكمة تستند إلى أولويات واضحة.
تنفيذ رصين قائم على المهنية والمسؤولية.
تتبع وتقييم شفاف يضمن المحاسبة.
معاقبة صارمة للمفسدين والمتلاعبين بالمال العام، حتى تستعيد الدولة هيبتها ومصداقيتها.
وأنا أكتب من باريس، ألاحظ أن هذه المدينة بدورها تشهد احتجاجات واسعة، لكنها احتجاجات ذات طبيعة سياسية ونقابية ومعيشية معقدة. أما في المغرب، فالحمد لله، يظل النظام السياسي الدستوري مستقرًا تحت الشعار الخالد: الله، الوطن، الملك. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في القدرة على تحويل الاستقرار السياسي إلى قوة دافعة لإنجاز الإصلاحات العميقة المنتظرة، بعيدًا عن منطق الارتجال أو التدبير البيروقراطي العاجز.
إن وطننا العزيز يستحق كل الوفاء، وكل غيرة صادقة، وكل نية مخلصة في خدمته. ولا سبيل للنهوض إلا عبر شجاعة القرار، وصرامة التنفيذ، وعدالة المحاسبة، ونزاهة المسؤولية.














