
حينما أتذكر الأيام الخوالي والجميلة بمكناس، أتذكر أياما كان لها وقع على تركيبتي الثقافية والفكرية والسياسية، ومكناس كانت تشتعل ثقافيا، عايشت جيلا بأكمله شغوفا بالقراءة وبالنقاش وبمتابعة ما يجري وبالحضور للأنشطة الثقافية، من جيلي لا يتذكر مهرجان مسرح الهواة الذي كانت مكناس على موعد معه كل سنة؟
تحج إلى مكناس فرقا مسرحية للهواة من مختلف المدن بل من أقطار مغاربية وعربية، ونعيش ملحمة عروض مسرحية جادة طوال أسبوع وأكثر، أتذكر أنني كنت لا أضيع عرضا واحدا من تلك العروض التي كانت غاية في الروعة وفي الإبداع وفي الالتزام بقضايا المجتمع تشريحا وعرضا وتمثيلا، كانت جمعية رواد الخشبة رائدة في هذا المجال وهي الجهة المنظمة لهذا المهرجان، وكانت قاعة المعرض البلدي برغم بساطتها مملوءة عن آخرها بالجمهور الشغوف بمشاهدة تلك العروض وفي هدوء دون صخب ولا صداع، كانت التصفيقات تعم القاعة بعد كل عرض أو كل مشهد من عرض، ويلي كل عرض مناقشة مفيدة، لا أنكر أنني تشبعت ثقافة مسرحية مهمة من خلال مواكبتي لدورات هذا المهرجان الذي للأسف اندثر ولم يعد…
مكناس أيضا عرفت مظاهرات ثقافية تعكس ثقافة الحوار والتعايش، بل أعطت من خلال هذه التظاهرات نموذجا حيا لثقافة الحياة والتمدن والاختلاف، من جيلي لا يتذكر عهد المناظرات الوطنية التي كانت تنظم في كل شهر رمضان وتحتضنها قاعة المعرض أيضا وقاعة القصر البلدي، وتنظمها إحدى الشبيبات الحزبية آنذاك وتحشد لها كل الجهود (لا أريد ذكر الاسم حتى لا تفهم أنها دعاية حزبية لكن لا ننكر الفضل لأي كان ومن تذكر تلك الأيام يتذكر من هي هذه الشبيبة الحزبية)؟ كانت مناظرات من الحجم الثقيل من حيث مضامينها ومن حيث ضيوفها والأساتذة المدعوين من مختلف المشارب والتوجهات، كان الإسلامي هناك مدعو بمختلف تلاوينه واليساري أيضا بمختلف تلاوينه والليبرالي وفعاليات ثقافية وحقوقية وسياسية…
أتذكر أننا كنا نحضر لعروض قبل الإفطار بمناقشات مفيدة ومداخلات للجهور أفيد، وعروض مسائية بعد الإفطار، كان النقاش حول الحوار، حول المجتمع المدني، حول العلمانية حول الإسلام حول الديمقراطية…القاعات مملوءة وقوفا وجلوسا، وكنا طلبة وشباب نتسابق مبكرا على حجز مقاعد قبل امتلاء القاعة، بل ونهيأ مداخلاتنا حول موضوع العرض للإدلاء به تفاعلا معه، كانت مكناس بتلك المناظرة إشعاعا للاختلاف والحوار، وكم هي الوجوه التي عرفناها وتعرفنا عليها من خلال تلك المناسبة الفريدة والنادرة والتي غابت ولم تعد، أتذكر يوما بعد مرور سنين على تلك المناسبات.
التقيت أحد الفعاليات في مناسبة تظاهرة احتجاجية بمكناس، فسلم علي وقال لي “مدة ما شفناك”، فابتسمت في وجهه ونحن أبناء المدينة الواحدة ولم نعد نلتقي فما بالك نتحاور ونتواصل،…توقف تلك المناسبة كان له وقع على شيوع ثقافة التقارب التي انحصرت لصالح ثقافة التنابز والسياسة الدنيا التي ترتبط بالقشور والتفاصيل المملة المشخصنة….مكناس أنتجت ثقافة الحوار والاختلاف من خلال مثل هاته المناسبات التي لم تكن وحيدة بل كانت مكناس على موعد مبادرات ثقافية جادة بالمدينة مثلتها جمعيات ثقافية محلية عديدة، فهذه الأيام الثقافية لجمعية الوعي الثقافي وهذه الأيام الثقافية لجمعية منبر الحوار، وهذه بعض الشبيبات الحزبية، وبعض الأحزاب، وهذه الكليات مع أنشطة ثقافية ذات أبعاد حوارية وبتلاوين مختلفة للحضور وللمؤطرين، بل حتى بعض وداديات الأحياء كان لها دور في التوعية الثقافية من خلال أنشطة تثقيفية وتربوية، مكناس الآن تعج بالجمعيات وتقل فيها الثقافة والتثقيف، ارتفع عدد الجمعيات وضعف المجتمع المدني فيها…التقيت أحد الناشطين الجمعويين مؤخرا فحكى لي عن ذلك السباق المحموم بين أطراف حزبية وسلطوية بالمدينة من أجل التكثير من تأسيس جمعيات موالية لأغراض حزبية أو سلطوية…مكناس التي في خاطري ندرت فيها الثقافة وانحدر الوعي عموما لدى نخبتها وأضحت قاعاتها العمومية إما فارغة او امتلأت بضجيج السباق المحموم الذي لا غرض منه سوى خدمة مصالح حزبية أو سلطوية لا غير.















