اش واقع فمدينتي

الترحال السياسي بمكناس… من الأحزاب العريقة إلى الكيانات الحديثة: أزمة مبادئ تهدد المشهد الحزبي المحلي

توفيق اجانا

تعرف مدينة مكناس، كما العديد من المدن المغربية، موجة متسارعة من الترحال السياسي، تقودها وجوه معروفة في المشهد المحلي، كانت إلى وقت قريب محسوبة على أحزاب ذات تاريخ نضالي ومرجعية فكرية واضحة. إلا أن المفارقة اللافتة تكمن في هذا الانتقال المفاجئ إلى كيانات سياسية حديثة العهد، ما يطرح علامات استفهام كثيرة حول خلفيات هذا التحول، ودلالاته العميقة.

فهل نحن أمام مشهد سياسي متجدد يعكس دينامية ديمقراطية صحية؟ أم أننا إزاء سلوك انتهازي يكشف عن أزمة في الالتزام، وفراغ في المرجعيات، وتراجع في قيمة العمل الحزبي كمؤسسة تؤطر المواطن وتُنتج النخب؟

أولًا: مكناس… من رمزية النضال إلى انتهازية المواقع

لطالما كانت مكناس حاضرة بارزة في التاريخ السياسي المغربي، أنجبت نخبًا وطنية لعبت أدوارًا مركزية في النضال الديمقراطي والنقابي. غير أن المشهد اليوم يبدو مغايرًا. أسماء وُصفت سابقًا بالمناضلة باتت تتنقل بين الأحزاب كما لو أن السياسة سوق، والولاء سلعة قابلة للتفاوض.

هذا النوع من الترحال لا يمكن اعتباره مجرد “إعادة تموقع سياسي” كما يُروّج له البعض، بل يعكس في العمق خللًا في العلاقة بين الفاعل السياسي والمبادئ التي يُفترض أن يؤمن بها ويدافع عنها. وحين يصبح التموقع هو الهدف، بدل المشروع أو الفكرة، فإن الفعل السياسي يتحول إلى مجرد وسيلة لبلوغ المصالح.

على المستوى المحلي، أفرز هذا الواقع مشهدًا انتخابيًا ضبابيًا، أفقد المواطن المكناسي ثقته في العملية السياسية برمتها. فكيف يمكن إقناع ناخب بخطاب سياسي متغير، يتبدل بحسب القميص الحزبي لا وفق رؤية واضحة أو برنامج محدد؟

ثانيًا: الأحزاب الحديثة… حاضنة جديدة لترحال بلا رصيد

بعيدًا عن محاكمة النوايا، فإن المتأمل في المشهد الحزبي المحلي بمكناس يلحظ أن عددًا من الكيانات السياسية الحديثة باتت بمثابة حاضنة لترحال سياسي غير مضبوط. أحزاب تفتقر غالبًا لمرجعية فكرية واضحة أو مشروع مجتمعي مهيكل، فتتحول إلى منصات مفتوحة أمام الطامحين، لا أمام المناضلين الحقيقيين.

النتيجة هي تشويش إضافي في المشهد السياسي، ومزيد من ضرب مصداقية المؤسسات المنتخبة. ذلك أن الترحال غير المؤطر يفرغ العملية الديمقراطية من مضمونها، ويحوّل المجالس المنتخبة إلى فضاءات لتصفية الحسابات أو اقتسام المواقع، بدل أن تكون أدوات فعلية لخدمة المدينة وساكنتها.

في ظل هذا الواقع، تغيب المشاريع الحقيقية التي يمكن أن تقدم أجوبة على الإشكالات البنيوية التي تعاني منها مكناس، من أزمة النقل، وارتفاع نسب البطالة، إلى ضعف البنيات التحتية والثقافية.

ثالثًا: أزمة تأطير أم أزمة وعي؟

يبدو جليًا أن الظاهرة ليست عَرَضًا انتخابيًا عابرًا، بل هي نتاج تراكمي لأزمة أعمق في التأطير السياسي، وتراجع أدوار الوساطة التي يفترض أن تلعبها الأحزاب. ومع غياب آليات الانضباط والمساءلة داخل التنظيمات الحزبية، بات الانتقال من حزب إلى آخر مسألة عادية، بل أحيانًا يُكافأ عليها الفاعل السياسي بموقع أو ترشيح.

من جهة أخرى، لا يمكن إغفال مسؤولية المواطن. فجزء من أزمة السياسة في مكناس يرتبط أيضًا بتراجع المشاركة، وغياب الرقابة الشعبية الحقيقية، بل وحتى انخراط فئات من الناخبين في تبرير هذا السلوك من خلال التصويت على المترحلين، بغض النظر عن خلفياتهم أو انسجامهم مع تطلعات المدينة.

إن موجة الترحال السياسي المتسارعة التي تشهدها مكناس ليست فقط تعبيرًا عن أزمة حزبية، بل تُعد مؤشراً خطيراً على اختلال أعمق يمس أخلاقيات العمل السياسي وجدواه في عيون المواطنين.

أمام هذا الوضع، تبدو الحاجة ملحة اليوم إلى تجديد الحياة الحزبية، عبر إحياء ثقافة الالتزام، وربط العمل السياسي بمشاريع حقيقية وملموسة، والقطع مع منطق “الترحال من أجل المواقع”.

كما أن المواطن المكناسي مدعو بدوره إلى استعادة دوره كمحكٍّ أخلاقي في العملية السياسية، من خلال ممارسة فعل ديمقراطي نقدي وواعي، لا يُكافئ القفز على المبادئ، بل يُراهن على الكفاءة والصدق والانسجام مع هموم المدينة وطموحاتها.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى