اش واقع فمدينتيثقافة وفن

التناصّ الضدي مع هوغو وتحولات البؤس في السرد المغربي المعاصر: قراءة نقدية في مجموعة “بؤساء لم يصادفهم هوغو” للكاتبة سلوى إدريسي والي بقلم توفيق أجانا

تندرج مجموعة «بؤساء لم يصادفهم هوغو» للكاتبة سلوى إدريسي والي في إطار الكتابات السردية المعاصرة التي تتجاوز الوظيفة الجمالية للأدب، لتؤسس خطابا نقديا يتقاطع فيه الاجتماعي بالنفسي والوجودي، منصرفا إلى تشريح أوضاع إنسانية تتكون وتتشكل نتيجة لآليات متعددة من التهميش الصامت الذي يعمل في الخفاء ويعيد إنتاج القهر دون أن يتخذ شكلا صراعيا معلنا.
لا يسعى النص إلى إعادة إنتاج سرديات الفقر الكلاسيكية، ولا إلى تبسيط مفهوم البؤس أو تحويله إلى صورة نمطية، بل يعمد إلى تفكيك الشروط التي تنتج التهميش وتطبعه، كاشفا عن شبكة معقدة من الممارسات الرمزية والنفسية التي تفرض داخل الأسرة، وفي صلب العلاقات الحميمية، وعبر تراكمات تربوية وثقافية، لتحول التجربة اليومية إلى مساحة للإكراه والاختناق الوجداني.
وفي هذا السياق، ترصد القصص تجليات البؤس لا كواقع مادي فقط، بل كحالة نفسية ومعرفية ووجودية، حيث يتخذ التهميش شكل الصمت والتكرار والاستبطان، ويتجسد في الأجساد المتعبة، والوجوه المنهكة، والأيدي المرتجفة، محولا الشخصيات إلى ذوات تعاني دون أن تمتلك أدوات التسمية أو أفق الاعتراض أو الخلاص.

أولا: عتبة العنوان والمفارقة التناصية
التناص مع هوغو: من الملحمة إلى التجربة اليومية

تبني الكاتبة سلوى إدريسي والي عنوان مجموعتها «بؤساء لم يصادفهم هوغو» على استراتيجية واعية من التناص الضدي مع أثر فيكتور هوغو. فلا يستحضر النص الكلاسيكي بوصفه مرجعا جماليا، بل يستدعى بغية مخالفته وتقويض مقاربته لفكرة البؤس. فبينما يؤسس هوغو بؤسه على سياق تاريخي واجتماعي صارخ، ويصوغه في قالب ملحمي يفتح أفق الخلاص والتطهر، تنقلب الرؤية في هذه المجموعة إلى بؤس حداثي دقيق، يعمل في صمت ويتغذى على التكرار والرتابة واليومي المستهلك.
تنقل الكاتبة مركز البؤس من الفضاء العام والصراع مع المؤسسة، إلى فضاء الذات والعلاقات القريبة، حيث يتجسد القهر في أشكال دقيقة ومتسللة: في الأسرة، في الزواج، في الأمومة، وفي التربية، وهي أشكال لا تحدث ضجيجا، ولا تستدعي تعاطفا ملحميا، بل تنتج إنسانا منهكا، مشدودا إلى صمته، وعاجزا عن التمرد أو الاحتجاج.
تركز القصص على شخصيات يختبئ بؤسها خلف أقنعة العادي والمألوف، شخصيات لا تملك شروط البطولة ولا تستفيد من أفق الخلاص، بل تتآكل ببطء تحت وطأة تشوهات نفسية وتربوية متراكمة، تعيد إنتاج القهر بصمت وبدون وعي.
وبهذه المفارقة التناصية، لا يبقى العنوان عتبة دلالية فحسب، بل يتحول إلى أفق قراءة يوجه تلقي النص ويستفز القارئ لإعادة التفكير في مصادر القهر والألم في العالم المعاصر، وفي كيفية تحول البؤس من قضية عامة إلى تجربة داخلية خانقة.
هكذا، يتجاوز النص مستوى السرد ليصبح تجربة نقدية، توجه القارئ أمام سؤال المعنى والمسؤولية، لا أمام حكاية للتعاطف فقط.

المحور الثاني: البؤس اليومي والتهميش الصامت في النص السردي

تقدم الكاتبة سلوى إدريسي والي في مجموعتها «بؤساء لم يصادفهم هوغو» نصوصا سردية تكشف شبكة معقدة من التهميش الصامت الذي يؤثر على الفرد على مستويات متعددة، من الأسرة والعلاقات الحميمية حتى البنى الذهنية، مع ربط متقن بين البعد الاجتماعي والنفسي، لتقديم قراءة نقدية عميقة للبؤس وتجليات القهر في الحياة المعاصرة.
تتفكك التمثلات الرومانسية للفقر في قصص مثل «ولادة دون رحم» و«صديقتان بأنفاس باردة» و«هلاوس متقاعد والثمن»، حيث يتحول الفقر من حالة بطولية أو ملحمية إلى تجربة يومية صامتة، تجعل الشخص كائنا متوجسا، مشدودا إلى صمته، عاجزا عن التمرد أو الاحتجاج. ويوضح النص أن البؤس ليس نقصا ماديا فقط، بل ثقب يبتلع الأخلاق والقيم، ويجعل القهر جزءا من طبيعة الحياة اليومية، مسلطا الضوء على سطوة العنف الصامت في العلاقات القريبة.
كذلك، تتناول الكاتبة الاغتراب الأنثوي في قصص مثل «الطابق السفلي» و«الشك» و«أعطني حريتي»، حيث تتحول الفضاءات الزوجية والأسرية إلى ساحات للمراقبة المستمرة، ويصبح الشريك “سجانا عاطفيا”، مما يجعل الحرية لا تطلب ولا تفاوض، بل تنتزع كفعل وجودي، مع إبراز شعور الاغتراب وفقد الذات.
أما الأمومة والألم الوجداني فيتجلى في «ولادة دون رحم» و«المقصورة»، حيث تتحول الأم إلى كائن صارم يفقد عاطفته، ويصبح الفعل الأمومي بروتوكولا اجتماعيا يسير بشروط صارمة، مع إظهار أثر ذلك على المعايشة اليومية للقهر والانفصال العاطفي.
في مجال الوجود، يعتبر الموت والوعي الوجودي أساسيين في قصص مثل «ضحكات في حضرة الموت» و«نسمات» و«موشي»، حيث يستخدم الموت لتسليط الضوء على الفراغ العاطفي، وتقلبات الهوية، والشعور بالانتزاع من الحياة، مكونا أبعادا فلسفية ووجودية للنص.
في البنية الجمالية، تستعمل الكاتبة التكثيف الدرامي وسيميائية الجسد لتحويل النص إلى أرشيف صامت للألم، مع نهايات صادمة أو استشرافية تبقي القارئ في حالة تأمل وتفكر، مما يجعل النص تجربة نقدية متكاملة، تكسر التمثلات النمطية وتضع البؤس في صميم الفهم الاجتماعي والنفسي، بعيدا عن السرد التقليدي للفقر والتهميش.

تعد مجموعة «بؤساء لم يصادفهم هوغو» للكاتبة سلوى إدريسي والي مرآة للحياة المعاصرة وتجسيدا لتجارب الإنسان التي تغيبها السياسات والأسرة والمجتمع أحيانا. تدعو المجموعة القارئ إلى التفكر في قوة الصمت والعواقب الخفية للتهميش، وإلى مراقبة الأحاسيس والوجودات التي تتحرك في الظل، بين المرأة والرجل، وفي صمت المكان ورتابة الوقت.
تؤكد المجموعة أن فهم البؤس والتوتر النفسي لا يقف عند مجرد التوجه إلى الواقع الخارجي، بل يتجذر في التجارب الشخصية والتوازن الداخلي للإنسان. ومن خلالها، تشجع الكاتبة على وعي أعمق للحياة، وتذكر أن كل صمت وكل كلمة يحملان في طياتهما قوة ورسالة، وأن القارئ يمكنه أن يساهم في تحويل المرضيات التي تقوض الحياة الإنسانية إلى فرص للمواجهة والتفكر والتعاطف.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى