اش واقع فمدينتي

قضية اتفاقية الزليج الفاسي: مساءلة صحفية أم محاولة لتكميم الأصوات؟

توفيق اجانا

في مشهد يعكس الحيوية التي ينبغي أن تطبع العلاقة بين الصحافة والمؤسسات العمومية، أثارت تغطية إعلامية لعدد من المنابر، من ضمنها موقع Media15، جدلًا واسعًا بخصوص اتفاقية إحداث محطة معالجة الطين بمنطقة بنجليق بفاس، وهو ما استدعى ردًا رسميًا من رئيس غرفة الصناعة التقليدية لجهة فاس – مكناس، حمل في طياته توضيحات وردودًا على ما اعتبره “أكاذيب ومغالطات” نشرت من طرف بعض الوسائل الإعلامية.

ما بين التحليل الصحفي والتوضيح الإداري

المقالان التحليليان لـMedia15 لم يَخْرجا عن سياقهما المهني والإخباري، بل اعتمدا على وثائق رسمية ومعطيات دقيقة، وطرحا أسئلة مشروعة حول مدى احترام مبدأ الحياد المؤسساتي، في ظل توقيع مزدوج لرئيس الغرفة على اتفاقية الدعم، بصفته المانح من جهة، والمستفيد من جهة ثانية، كرئيس لتعاونية “بنجليق للزليج الفاسي”.
هذا التداخل في الصفة، من منظور قانوني ومؤسساتي، يُحيل مباشرة إلى مبدأ دستوري واضح ينص عليه الفصل 36 من دستور المملكة، والذي يُجرّم تضارب المصالح واستغلال النفوذ، ويجعل من الحكامة الجيدة ركيزة أساسية في التدبير العمومي.اين هي المغالطة.؟

رد رئيس الغرفة، المنشور عبر صفحة الغرفة على فيسبوك، لم يُنكر وجود الاتفاقية ولا الأطراف الموقعة عليها، لكنه قدم تأويلاً مغايرًا للمعطى الذي أثرناه.

إذ أوضح أن المشروع هو ثمرة تعاون مشترك بين الوزارة الوصية، الغرفة، والتعاونيات المهنية، ويهدف إلى تحسين جودة الإنتاج، وفتح آفاق تسويقية جديدة، في استجابة فعلية لحاجيات الحرفيين.

لكن الرد لم يُجب بشكل مباشر على الإشكال الجوهري المتعلق بازدواجية التوقيع، الذي لا يتعلق فقط بمسألة نوايا أو أهداف المشروع، بل بمدى احترام الضوابط القانونية والأخلاقية في تسيير الشأن العام، وهي مسؤولية يُفترض أن تتقاسمها كافة الأطراف، خصوصًا المؤسسات المنتخبة والموقعة على الاتفاقيات باسم الدولة.

الصحافة كفاعل رقابي: الإطار الدستوري والوظيفة الحيوية

من زاوية الممارسة المهنية، لا تخرج مقالات Media15 عن دور الصحافة كما هو منصوص عليه في القانون رقم 88.13 المتعلق بالصحافة والنشر، ووفق الفصل 28 من الدستور المغربي، الذي يقر بحرية الصحافة ودورها الحيوي في مراقبة عمل المؤسسات، والتأكد من مدى احترامها للقانون والمصلحة العامة.

وبعيدًا عن التشنجات الظرفية أو الاتهامات التي وُجّهت لبعض الأقلام، فإن من واجب الصحافة أن تطرح الأسئلة، وتُحلل المعطيات، وتُذكّر بالسياق القانوني والدستوري، خاصة حينما يتعلق الأمر بتوقيع اتفاقيات ذات طابع مالي وعمومي.
وهذا بالضبط ما قامت به Media15، دون إصدار أحكام نهائية أو تبني مواقف مُسبقة، بل عبر التحليل والتساؤل، والاعتماد على وثائق رسمية صادرة عن الجهة نفسها.

تضارب المصالح: إشكال قانوني لا يُلغيه الهدف النبيل

لا شك أن دعم قطاع الزليج الفاسي مشروعٌ يستحق كل التأييد، كما أن مساهمة التعاونيات في توفير العقار والتمويل يُعدّ بادرة إيجابية في إطار التضامن المهني.
غير أن هذا لا يُلغي أهمية احترام المساطر والضوابط القانونية، لأن الغاية لا تُبرر الوسيلة حين يتعلق الأمر بالمال العام وتمثيل المؤسسات.

فتوقيع رئيس الغرفة على اتفاقية يستفيد منها بشكل مباشر كرئيس لتعاونية يُعيد طرح إشكالية تضارب المصالح في المؤسسات المهنية، ويُبرز الحاجة إلى تأطير أفضل لهذه الوضعيات قانونيًا، حفاظًا على مبدأ فصل المهام وشفافية التسيير.


ان ما حدث ليس صراعًا بين “أقلام مأجورة” ومؤسسة منتخبة، كما ورد في تعبير رئيس الغرفة، بل هو نقاش صحي حول حدود المسؤولية، وأدوار الرقابة، وآليات الحكامة، تفرضه لحظة دستورية جديدة تُبنى على الشفافية والمساءلة.
وإذا كان المشروع محل الاتفاقية يُمثل خطوة مهمة للقطاع، فإن الجدل الدائر حول طريقة تدبيره يُمثل اختبارًا لمستوى نضجنا المؤسسي، وقدرتنا على التوفيق بين النية الحسنة والشرعية القانونية.

لقد قام Media15 بدوره في تحليل المعطيات وطرح الأسئلة، وعلى المؤسسات أن تواكب ذلك بالرد المؤسساتي، عبر بلاغات رسمية، لا عبر صفحات التواصل الاجتماعي فقط.
فالصحافة، حين تلتزم بأخلاقيات المهنة وتُحكّم المرجعيات القانونية، تُمثل سندًا للديمقراطية، لا تهديدًا لها.

وكان من الأجدر، بدل اللجوء إلى القذف والاتهامات المجانية في منشورات فيسبوكية، أو الاكتفاء بنشر الرد في جرائد لا علاقة لها بالمقال الأصلي، توجيه الرد مباشرة إلى المنبر الذي أثار الموضوع – Media15 – في إطار قانوني ومهني يُكرّس حق الرد والتوضيح، كما ينص على ذلك قانون الصحافة والنشر 88.13، والذي يُلزم المنابر الإعلامية بنشر الرد أو التصحيح بنفس المساحة وبشكل مجاني، متى طُلب ذلك رسميًا ووفق المسطرة القانونية.

ومما يُثير القلق المهني أن يتم نشر مثل هذه الردود خارج سياقها، أو بعبارات تُفهم على أنها محاولات مباشرة أو غير مباشرة لـتكميم أفواه الصحافة الجادة التي تشتغل في إطار المهنية والحياد وتمارس دورها الرقابي وفق القانون.
وهذا ما يُرسّخ الحاجة إلى إعادة بناء الثقة بين الإعلام والمؤسسات، على قاعدة التفاعل الإيجابي لا التشكيك، وعلى أساس احترام الأدوار الدستورية لكل طرف.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى