
في كل مناسبة دينية أو اجتماعية، يعود المغاربة إلى قيم التضامن والتراحم التي شكلت على الدوام جوهر المجتمع المغربي الأصيل، قيم تربينا عليها من سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي كان رحيمًا بالفقراء، قريبا من البسطاء، حريصًا على التخفيف عن الناس لا إثقال كاهلهم.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء”، وهي ليست مجرد كلمات تردد، بل منهج حياة قائم على الإحساس بمعاناة الناس ومراعاة ظروفهم، خصوصا في الفترات التي يفترض أن تكون مواسم فرح وتكافل، لا مواسم قلق وضغط اجتماعي.
غير أن الواقع الذي يعيشه عدد كبير من المواطنين اليوم يكشف مفارقة مؤلمة، حيث تتحول بعض المناسبات، وعلى رأسها عيد الأضحى، إلى محطة ترتفع فيها الأسعار بشكل يرهق الأسر البسيطة، وسط تساؤلات متزايدة حول أسباب هذا الارتفاع، وحول مدى انعكاس برامج الدعم على الواقع الحقيقي للأسواق.
ففي الوقت الذي تخصص فيه الدولة برامج دعم للفلاحين ولمربي الماشية بهدف الحفاظ على التوازن وضمان وفرة العرض، يشتكي كثيرون من أن أسعار الأعلاف ما تزال مرتفعة، وأن تكاليف التربية والنقل والإنتاج لا تزال تثقل كاهل الكسابة والفلاحين الصغار. وهنا يبرز السؤال الذي يطرحه المواطن البسيط: إذا كان الدعم موجودا، فلماذا لا ينعكس على الأسعار بشكل واضح؟ وأين تتعثر سلسلة الاستفادة؟
الأمر لا يتوقف عند الأضاحي فقط، بل يمتد إلى أسعار الخضر والمواد الأساسية التي ترتفع بدورها كلما ارتفعت أسعار المحروقات، خصوصا الكازوال، لتصبح القدرة الشرائية للمواطن الحلقة الأضعف في معادلة لا تنتهي من التبريرات. فكل زيادة في النقل تنعكس مباشرة على الأسواق، بينما يبقى المواطن مطالبا بالصبر وتحمل المزيد من الأعباء.
إن الحديث عن هذه القضايا لا ينبغي أن يفهم على أنه اعتراض على الفلاح أو التاجر البسيط، فكثير منهم بدورهم يعانون من غلاء الإنتاج وارتفاع التكاليف، بل إن الإشكال الحقيقي يكمن في غياب توازن يضمن مصلحة الجميع، وفي الحاجة إلى مراقبة أكثر صرامة للأسواق ومحاربة المضاربات والوسطاء الذين يستفيدون من الأزمات أكثر من غيرهم.
لقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم نموذجا في الرحمة والعدل والرفق بالناس، وكان يحث على التيسير وعدم استغلال حاجات البشر. واليوم، ونحن نعيش ظروفا اقتصادية دقيقة، يصبح استحضار هذه القيم ضرورة أخلاقية قبل أن يكون مجرد خطاب ديني أو اجتماعي.
فالمجتمعات لا تُقاس فقط بحجم مشاريعها وأرقامها، بل أيضا بقدرتها على حماية البسطاء، وعلى جعل المناسبات الدينية فرصة للفرح الجماعي والتكافل الحقيقي، لا مناسبة للخوف من الغلاء وتراكم الديون.
رحم الله من راعى أحوال الناس، وخفف عنهم، وابتعد عن الجشع والاحتكار، لأن الرحمة التي نرجوها من السماء تبدأ أولا بالرحمة بمن في الأرض.
وفي خضم هذه التحديات الاجتماعية والاقتصادية، يبقى استحضار حديث النبي صلى الله عليه وسلم ضرورة أخلاقية وإنسانية قبل أن يكون مجرد استشهاد ديني، حين قال: “كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته”. فالإمام راع في توجيهه للناس نحو قيم الرحمة والتضامن، والأب راعٍ في حماية أسرته وتربيتها على القناعة والتكافل، والتاجر راع في أمانته وابتعاده عن الجشع، والفلاح راع في مراعاته لظروف المواطنين، والعامل راع في إخلاصه، والمسؤول راع في حسن تدبيره وخدمته للصالح العام، وكل فرد في المجتمع يتحمل جزءا من المسؤولية في حماية هذا الوطن من الأنانية والاستغلال والاحتكار.
فحين يتحول الإحساس بالمسؤولية إلى ثقافة جماعية، تصبح المناسبات الدينية مواسم للرحمة والتراحم، لا محطات للغلاء والاحتقان. وما أحوجنا اليوم إلى العودة إلى أخلاق المصطفى صلى الله عليه وسلم، الذي جعل الرحمة أساس التعامل بين الناس، حتى يبقى المجتمع متماسكا، ويحافظ البسطاء على حقهم في الفرح والعيش الكريم دون خوف من لهيب الأسعار أو قسوة الظروف.
يتبع…





