

توفيق اجانا
شكل عرض بيان تنفيذ الميزانية برسم السنة المالية 2025 خلال دورة فبراير لجماعة مكناس لحظة أساسية لإعادة ضبط النقاش العمومي حول الوضع المالي للجماعة، انطلاقًا من الأرقام الرسمية، بعيدًا عن القراءات الانطباعية أو الخطاب السياسي المتشنج. فقد كشفت المعطيات المحاسباتية عن حجم حقيقي للتدفقات المالية التي عرفتها الجماعة خلال السنة، ما يفرض قراءة متأنية تميز بين التحسن المالي من جهة، وسؤال الأثر التنموي من جهة أخرى.
وحسب الوثائق المعروضة، بلغ المجموع العام للموارد المقبوضة الصافية أزيد من مليار و56 مليون درهم، موزعة بين مداخيل الميزانية الرئيسية للتسيير التي ناهزت 592.8 مليون درهم، ومداخيل التجهيز بحوالي 425 مليون درهم، إضافة إلى 33.5 مليون درهم من الحسابات الخصوصية، ونحو 5 ملايين درهم من الميزانيات الملحقة. وتعكس هذه الأرقام حجم الإمكانيات المالية التي مرت عبر ميزانية الجماعة خلال سنة واحدة.
في المقابل، سجلت المصاريف المؤشر عليها ما يقارب 780.15 مليون درهم، استحوذت مصاريف التسيير فيها على الحصة الأكبر بما يفوق 592.8 مليون درهم، مقابل حوالي 150.9 مليون درهم فقط خُصصت للتجهيز، إضافة إلى مصاريف الحسابات الخصوصية والميزانيات الملحقة. هذا التفاوت يعيد طرح إشكالية بنيوية مرتبطة بتركيبة الإنفاق المحلي، حيث تظل نفقات التسيير ثقيلة وتحدّ من هامش الاستثمار.
وقد أفرز هذا الوضع فائضًا إجماليًا قدره 276.19 مليون درهم، غير أن القراءة المحاسباتية الدقيقة تفرض عدم السقوط في الخلط بين الفائض الإجمالي والفائض الحقيقي. إذ إن ما يفوق 221.5 مليون درهم يندرج ضمن اعتمادات منقولة مرتبطة بمشاريع قيد الإنجاز، ليبقى الفائض الحقيقي القابل للتوظيف برسم سنة 2025 في حدود 54.67 مليون درهم فقط.
وعلى مستوى تحصيل الرسوم، أظهرت الأرقام تحسنًا ملحوظًا في بعض الموارد الأساسية، حيث تجاوز رسم الخدمات الجماعية 91.6 مليون درهم، وسجل الرسم المهني أكثر من 53.2 مليون درهم، فيما بلغت الضريبة على الأراضي الحضرية غير المبنية حوالي 18 مليون درهم، ورسم عمليات البناء 10.5 ملايين درهم. كما حققت المحطة الطرقية مداخيل تناهز 2.5 مليون درهم، في حين ظل منتوج كراء العقارات في حدود 156 ألف درهم، وهو رقم يطرح بدوره تساؤلات حول مردودية بعض الأصول الجماعية.
وتشير هذه المعطيات إلى أن التحسن المالي المسجل يرتبط أساسًا بـ تحسين وتيرة التحصيل وضبط الموارد القائمة، أكثر مما يعكس توسعًا اقتصاديًا حقيقيًا أو خلق موارد جديدة. وهو تمييز جوهري بين استرجاع موارد كانت مهدورة، وبين بناء قاعدة مالية مستدامة قادرة على تمويل التنمية على المدى المتوسط والبعيد.
أما الفائض الحقيقي المحقق، ورغم محدوديته مقارنة بالحجم الإجمالي للميزانية، فإنه يمثل اختبارًا حقيقيًا لجدية التوجه التنموي للمجلس. فالقيمة المضافة لهذا الفائض لا تقاس بحجمه، بل بكيفية توظيفه: هل سيتم توجيهه نحو مشاريع ذات أثر مباشر على البنية التحتية وجودة الخدمات، أم سيظل رقمًا يُرحّل من سنة إلى أخرى دون انعكاس ملموس على الحياة اليومية للساكنة؟
خلاصة القول، إن أرقام سنة 2025 تعكس تحسنًا في الانضباط المالي والتحصيل، لكنها في الآن ذاته تبرز حدود النموذج الحالي، حيث ما تزال كلفة التسيير مرتفعة، والاستثمار العمومي في حاجة إلى رؤية أوضح وربط أقوى بالأولويات المجالية. فنجاح التجربة لن يُقاس بسلامة الحسابات وحدها، بل بقدرتها على تحويل الأرقام إلى تنمية محسوسة، وهو الامتحان الحقيقي الذي ينتظر مالية جماعة مكناس في السنوات المقبلة.
يتبع…







