اش واقع فمدينتي

هل يعيش مهرجان وليلي أزمة تكرار في الوجوه الفنية رغم رهانه على الانفتاح؟

توفيق اجانا

بين وعود الانفتاح على العالم وتحديات تثبيت الهوية الفنية، يجد مهرجان وليلي الدولي لموسيقى العالم التقليدية نفسه مرة أخرى في قلب نقاش لا يهدأ: هل نحن أمام تجربة ثقافية تنجح فعلا في تجديد دمائها وفتح أبوابها أمام التلاقي الإبداعي بين الثقافات، أم أن دائرة الاختيارات ما تزال تدور في فلك الأسماء نفسها والأنماط ذاتها، بما يجعل سؤال التجديد أكثر إلحاحا من أي وقت مضى داخل واحدة من أبرز التظاهرات الموسيقية التراثية بالمغرب؟

في إطار تتبع مسار مهرجان وليلي الدولي لموسيقى العالم التقليدية، يبرز سؤال أساسي لا يتعلق فقط بطبيعة البرمجة، بل بمدى نجاح المهرجان في تحقيق انفتاح حقيقي على التبادل الثقافي والتلاقي الفني باعتباره خيارا استراتيجيا في بناء اختياراته الفنية، أم أن جزءا مهما من هذه الاختيارات لا يزال خاضعا لمنطق التكرار وإعادة إنتاج نفس الوجوه والتجارب الفنية عبر الدورات المتتالية.

ومن خلال هذا المنظور، تصبح مسألة تكرار بعض الوجوه الفنية من دورة إلى أخرى مؤشرا دالا على طبيعة سياسة الانتقاء المعتمدة، إذ إن استمرار نفس الأسماء بشكل دوري قد يفهم من جهة على أنه تعبير عن استقرار تنظيمي ورهان على أسماء لها حضورها وجمهورها، بما يضمن قدرا من الثبات في جودة العروض والإقبال الجماهيري، غير أن هذا الاستقرار، حين يتحول إلى نمط شبه ثابت في البرمجة، يطرح في المقابل إشكالا يرتبط بمدى قدرة المهرجان على تجديد دمائه الفنية وإعادة فتح المجال أمام تجارب جديدة.

فغياب التنويع في الوجوه الفنية أو محدودية تجددها قد يؤدي تدريجيا إلى تقليص هامش الاكتشاف داخل المهرجان، ويحد من فرص إبراز طاقات فنية شابة أو تجارب مختلفة كان من الممكن أن تساهم في إغناء المشهد وإضفاء دينامية أكبر على البرمجة. وبهذا المعنى، لا يعود التحدي مرتبطا فقط باختيار الأسماء، بل بطريقة التفكير في البرمجة نفسها، أي في مدى القدرة على خلق توازن بين الحفاظ على أسماء رسخت حضورها داخل المهرجان وبين فتح المجال أمام دماء فنية جديدة قادرة على إعادة تشكيل التجربة وإضافة أبعاد إبداعية جديدة.

وعليه، فإن الإشكال الجوهري الذي يطرحه هذا المسار لا يكمن في وجود الاستقرار التنظيمي في حد ذاته، بل في حدود هذا الاستقرار عندما يتحول إلى عامل يحد من التجدد، ويجعل من البرمجة أقرب إلى إعادة إنتاج متكررة لنفس الاختيارات، بدل أن تكون فضاء مفتوحا للتجريب والتنوع والتلاقي الفني الحقيقي.

وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن هذا التحليل لا يروم بأي شكل من الأشكال بخس الجهود المبذولة أو التقليل من قيمة العمل الذي راكمه مهرجان وليلي الدولي لموسيقى العالم التقليدية على مستوى التنظيم والإشعاع الثقافي، بل إن الغاية الأساسية منه هي المساهمة في قراءة نقدية بناءة تسعى إلى الإسهام في تجويد التجربة وتطويرها. فكل عمل بشري، مهما بلغت درجة نجاحه، يظل قابلا للنقاش والمراجعة والتحسين، لأن الكمال يظل من خصائص الخالق وحده، بينما يظل العمل الإنساني مجالا مفتوحا للتطور والتراكم وإعادة التقييم المستمر. ومن هذا المنطلق، فإن هذا النوع من النقاش لا يفهم كمساس بالمجهودات، بل كجزء من دينامية صحية تواكب أي مشروع ثقافي طموح، وتسعى إلى دفعه نحو مزيد من الإبداع والانفتاح والتجدد.

يتبع…

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى