
توفيق اجانا
في لحظة دقيقة من مسار الدولة المغربية، جاء الخطاب الملكي الأخير ليضع النقاش الوطني في سكته الصحيحة: التنمية ليست مجرد مشاريع كبرى أو أرقام ضخمة في الميزانيات، بل هي مشروع مجتمعي متكامل يربط بين الإنجاز الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، ويجعل من الإنسان محور السياسات العمومية. فـ”لا يمكن أن يكون هناك تنافس بين المشاريع الكبرى والمشاريع الاجتماعية”، كما شدّد جلالة الملك، لأن الأولى بدون الثانية تفقد معناها، والثانية بدون الأولى تفقد مقومات استمراريتها.
منذ مطلع الألفية الثالثة، انخرط المغرب في دينامية كبرى لبناء الموانئ والطرق السيارة والمناطق الصناعية، وهو ما أرسى قاعدة صلبة للنمو. غير أن الخطاب الملكي جاء ليذكّر بأن المرحلة المقبلة تقتضي توازناً بين التنمية المادية والتنمية البشرية، لأن الرهان لم يعد فقط هو تحقيق النمو، بل توزيع ثماره بعدالة. إن المقاربة الجديدة التي دعا إليها جلالة الملك تقوم على تكامل المشاريع: فالميناء، والطريق، والمنطقة الصناعية، لا تكتمل دلالتها إلا حين تخلق فرص شغل كريمة وتضمن كرامة المواطن في التعليم والصحة والسكن.
الخطاب الملكي أكد أن العدالة الاجتماعية ومحاربة الفوارق المجالية ليست شعارات للاستهلاك السياسي، بل التزام استراتيجي للدولة. فالمطلوب اليوم ليس فقط إطلاق المشاريع، بل ضمان نجاعة أثرها على المواطن. جيل جديد من التنمية يعني الانتقال من منطق المبادرات إلى منهج النتائج، أي تقييم السياسات وفق قدرتها على تحسين واقع الناس. وهنا تبرز أهمية برامج مثل تعميم الحماية الاجتماعية، ودعم الفئات الهشة، وإصلاح التعليم والتكوين المهني، لأنها تشكل الامتداد الاجتماعي للمشاريع الكبرى.
ما دعا إليه جلالة الملك هو ثورة هادئة في مفهوم التنمية نفسه. فبدل أن يُنظر إلى العدالة الاجتماعية ككلفة مالية، أصبح يُنظر إليها كاستثمار في الاستقرار والمستقبل. بهذه الرؤية، يتحول المشروع التنموي إلى عقد اجتماعي جديد يُعيد الثقة بين الدولة والمواطن، ويمنح لكل جهة ولكل فئة نصيبها من التنمية وفق مبدأ الإنصاف. فالمغرب اليوم في مرحلة نضج مؤسساتي واقتصادي تسمح له بإطلاق هذا الجيل الجديد من التنمية الكبرى التي لا تُقاس بعدد الطرق والموانئ فقط، بل بنوعية الحياة التي توفرها للمواطن.
إن جوهر الخطاب الملكي يتمثل في وضع الإنسان في صلب المشروع التنموي. فلا تنمية بدون عدالة، ولا مشاريع كبرى بدون بُعد اجتماعي. الرسالة واضحة: المغرب لا يسعى إلى التقدم المادي فحسب، بل إلى بناء نموذج تنموي عادل يوازن بين الكفاءة الاقتصادية والتماسك الاجتماعي، بين الحاضر والمستقبل، وبين الطموح والإنصاف.
يتبع..





