اش واقع فمدينتي

مهرجان وليلي… بين “الدولي” كهوية معلنة و”المحلي” كخيار فني طاغٍ

توفيق اجانا

حين يحمل مهرجان ثقافي صفة “الدولي”، فإن الأمر لا يرتبط فقط باستضافة فنانين من خارج الوطن أو إدراج أعلام دول متعددة ضمن الملصقات الرسمية، بل يتجاوز ذلك نحو بناء رؤية فنية متكاملة تجعل من البعد العالمي جزءا عضويا من هوية التظاهرة، سواء على مستوى البرمجة أو الاستقطاب أو طبيعة التفاعل الثقافي الذي يخلقه الحدث.

ومن هذا المنطلق، يبرز النقاش مجددا حول مهرجان وليلي الدولي لموسيقى العالم التقليدية، الذي استطاع عبر سنوات طويلة أن يرسخ حضوره ضمن خارطة المهرجانات الفنية بالمغرب، مستفيدا من رمزية الموقع الأثري لوليلي، ومن تراكم تنظيمي يمتد لربع قرن من الزمن. غير أن قراءة متأنية للبرنامج الفني للدورة الخامسة والعشرين تفتح الباب أمام تساؤل نقدي مشروع: إلى أي حد تعكس البرمجة الحالية فعلا الصبغة “الدولية” التي يحملها المهرجان في عنوانه الرسمي؟

لا يمكن إنكار أن المهرجان يتوفر على بعض عناصر الانفتاح الدولي، من خلال استضافة فرق وفنانين من دول مختلفة كإسبانيا والبرازيل والكوت ديفوار وكولومبيا وروسيا وفرنسا والبيرو، إلى جانب برمجة عروض مشتركة تعكس نوعا من التلاقح الثقافي، كما هو الحال في المزج بين الموسيقى المغربية وفنون الفلامنكو الإسباني. كما أن تنظيم التظاهرة في فضاءات ذات حمولة تاريخية ورمزية، وفي مقدمتها الموقع الأثري وليلي، يمنحها بعدا حضاريا يتجاوز المحلي.

لكن، في المقابل، يبدو واضحا أن الثقل الحقيقي للبرمجة ما يزال يميل بشكل كبير نحو العروض المغربية والتراث المحلي، سواء من حيث عدد السهرات أو طبيعة الأسماء الفنية المبرمجة أو حتى الروح العامة للمهرجان. فحضور أنماط مثل كناوة وعيساوة والملحون والموسيقى التراثية المغربية يطغى بشكل لافت، مقابل حضور أجنبي يبدو في بعض الأحيان أقرب إلى “الإضافة الرمزية” منه إلى شريك أساسي في تشكيل الهوية الفنية العامة للمهرجان.

هنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: هل يكفي استدعاء عدد محدود من الفرق الأجنبية حتى يكتسب المهرجان صفة “الدولي”؟ أم أن الدولية الحقيقية تفترض نوعا من التوازن الفني والثقافي، بحيث لا يتحول الحضور الأجنبي إلى مجرد عنصر تجميلي داخل برنامج محلي الطابع؟

الواقع أن مفهوم “موسيقى العالم” نفسه أصبح اليوم محل مراجعة نقدية في العديد من التظاهرات الثقافية، خصوصًا حين يتم توظيفه كشعار واسع دون أن ينعكس بشكل عميق على فلسفة البرمجة. فالمهرجانات العالمية الكبرى لا تقاس فقط بتنوع الجنسيات المشاركة، بل بقدرتها على خلق فضاء حقيقي للحوار الثقافي، واستقطاب تجارب موسيقية متعددة، وفتح نقاش فني عابر للحدود.

ومع ذلك، لا يمكن إغفال وجهة النظر المقابلة، التي ترى أن الحفاظ على الروح المحلية لا يتناقض بالضرورة مع البعد الدولي، بل قد يشكل مصدر قوة وتميز. فعدة مهرجانات عالمية حافظت على جذورها الثقافية المحلية، لكنها نجحت في الوقت ذاته في تحويل تراثها إلى لغة كونية قادرة على مخاطبة العالم. ومن هذا المنظور، قد يكون مهرجان وليلي “دولي الهوية” لكنه “محلي الروح”، وهي معادلة ليست بالضرورة سلبية إذا تم تدبيرها برؤية فنية متوازنة.

غير أن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في استضافة فنانين أجانب، بل في تطوير تصور ثقافي يجعل من البعد الدولي عنصرا بنيويا داخل المهرجان، لا مجرد هامش موازٍ للبرنامج المحلي. فبعد خمسة وعشرين عاما من التراكم، لم يعد الرهان فقط على تنويع الجنسيات المشاركة، بل على بناء رؤية ثقافية قادرة على تحقيق انفتاح عميق على موسيقى العالم، بما يجعل من التراث المغربي المادي واللامادي لغة فنية كونية قابلة للتسويق الثقافي والحضاري دوليا، ويمنح للمهرجان بعدا عالميا حقيقيا يتجاوز الصفة الرمزية إلى التأثير الثقافي الفعلي.

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى