
توفيق اجانا
السياسة التي يعبر عنها جلالة الملك محمد السادس في خطابه بمناسبة الذكرى السادسة والعشرين لعيد العرش تكشف عن رؤية شمولية تقوم على مبدأ التوازن بين الثوابت الوطنية والانفتاح على المحيط الإقليمي والدولي. فالمغرب، وهو يؤكد على سياسة اليد الممدودة تجاه الجزائر، يبعث برسالة واضحة بأن الخلافات الظرفية لا يمكن أن تعرقل منطق التاريخ والجغرافيا الذي يربط الشعبين.
دعوة جلالته إلى حوار صريح ومسؤول مع الجارة الشرقية لا تأتي من موقع ضعف أو تنازل، بل من قناعة راسخة بأن الاستقرار الإقليمي لا يتحقق إلا عبر تجاوز منطق القطيعة، وبناء جسور الثقة والتعاون. هذه المبادرة تندرج في إطار مقاربة استراتيجية تجعل من حسن الجوار خيارًا مبدئيًا يعكس إرادة المغرب في الدفع نحو مستقبل مشترك، بعيدًا عن منطق التوتر والتصعيد.
وفي السياق ذاته، يجدد الملك تشبثه بالاتحاد المغاربي باعتباره خيارًا استراتيجيًا، وليس مجرد شعار تاريخي. إن استحضار هذا المشروع في خطاب العرش يترجم وعيًا بأن التحديات الأمنية والاقتصادية التي تواجه المنطقة لا يمكن لأي بلد أن يواجهها منفردًا. الاتحاد المغاربي، في الرؤية الملكية، يشكل إطارًا للتكامل والتنمية المشتركة، لكنه في الوقت نفسه رهين بقدرة الدول المغاربية على تجاوز خلافاتها السياسية وإعلاء مصلحة الشعوب على حساب الحسابات الضيقة.
ومن هنا، يصبح حل الأزمة الثنائية بين المغرب والجزائر مدخلًا أساسيًا لإحياء هذا المشروع الذي ظل معطلاً لعقود.أما على المستوى الدولي، فقد حرص جلالته على إبراز التقدير للمواقف الداعمة لمبادرة الحكم الذاتي في الصحراء المغربية، باعتبارها المبادرة الجادة والواقعية الوحيدة على الطاولة. التوقف عند مواقف دول كالمملكة المتحدة والبرتغال يبرز مدى توسع دائرة الاعتراف الدولي بمصداقية الطرح المغربي، ويؤكد نجاح الدبلوماسية الملكية في ربط القضية الوطنية الكبرى بشبكة من الشراكات الاقتصادية والسياسية التي تمنح المغرب قوة تفاوضية متزايدة.
هذا التقدير لا ينفصل عن سياسة المغرب القائمة على البراغماتية، إذ يجمع بين الاعتزاز بالمكاسب التي تحققت، والحرص على أن يبقى الحل النهائي متوافقًا ويحفظ ماء وجه مختلف الأطراف، في انسجام مع منطق الشرعية الدولية وروح التوافق.بهذا النسق المتسلسل، تتضح معالم السياسة الملكية كما أكد عليها جلالة الملك في خطاب العرش للذكرى السادسة والعشرين، حيث تجمع بين الانفتاح على الجزائر من أجل حوار مسؤول، والتمسك بالاتحاد المغاربي كضرورة استراتيجية، وتعزيز الموقف الدولي من قضية الصحراء المغربية عبر الاعتراف المتزايد بمبادرة الحكم الذاتي.
إنها سياسة قائمة على الواقعية والتوازن، تجعل من الثوابت الوطنية أساسًا صلبًا، ومن الانفتاح الإقليمي والدولي رافعة لتحقيق الاستقرار والتنمية المشتركة




