

توفيق اجانا
لا يمكن الحديث عن مستقبل أي مجتمع دون التوقف عند الأسس التي تُبنى عليها شخصية أجياله الصاعدة. وفي هذا السياق، تبرز مبادرات مؤسسة محمد السادس للأعمال الاجتماعية لموظفي الأمن الوطني، تحت إشراف المديرية العامة للأمن الوطني، باعتبارها نموذجًا رائدًا في تعزيز وتنمية التنشئة الاجتماعية السليمة، من خلال المخيمات الصيفية التي تُنظم لفائدة أبناء نساء ورجال الأمن.
تحت شعار “مخيمات الأمن الوطني.. فضاء لترسيخ القيم الإنسانية”، تنظم المؤسسة، خلال الفترة الممتدة ما بين 08 يوليوز و23 غشت 2025، البرنامج السنوي للمخيمات الصيفية لفائدة أطفال الأمن الوطني بمراكز الاصطياف بأكادير وبوزنيقة وإفران وتطوان. ويعكس هذا الانتشار الجغرافي حرص المؤسسة على تقريب هذه الخدمات من الأسر الأمنية بمختلف جهات المملكة، وتوسيع دائرة الاستفادة بما يضمن تكافؤ الفرص بين أبناء وبنات رجال الأمن.
مخيم إفران لهذا الموسم سيستقبل حوالي 600 طفل، موزعين على أربع مراحل، تحت شعار موحّد يهدف إلى ترسيخ القيم الإنسانية في الناشئة. إلا أن خلف هذا الرقم تكمن دلالات أعمق: فالأمر لا يتعلق فقط بفسحة صيفية أو ترفيه موسمي، بل بمشروع تربوي متكامل يدمج الثقافة والترفيه والتوعية في مسار واحد، لخلق توازن بين متعة الاكتشاف ومسؤولية الانخراط في القيم المجتمعية.
الأنشطة التي يشملها المخيم – من الموسيقى والمسرح والتعبير الجسدي والسمعي البصري، إلى السباحة والخرجات السياحية – ليست مجرد برامج للتسلية، بل أدوات لبناء شخصية متوازنة، قادرة على الانفتاح والإبداع. تجربة “برلمان الطفل”، على سبيل المثال، تتيح للمشاركين الانخراط في ممارسة ديمقراطية مصغّرة، تعلمهم روح المسؤولية واتخاذ القرار الجماعي، في تجسيد عملي للتربية على المواطنة.
وما يضفي على هذه التجربة قيمة مضافة هو إدماج البعد التوعوي عبر ورشات حول قضايا مصيرية مثل آفة المخدرات، شغب الملاعب، والسلامة الطرقية. هذه الورشات تترجم وظيفة المخيم كمختبر للتنشئة الاجتماعية، حيث يُكتسب الوعي بشكل تفاعلي وتربوي، بعيدًا عن أسلوب التلقين المباشر.
إن دور مؤسسة محمد السادس للأعمال الاجتماعية لموظفي الأمن الوطني لا يقتصر على توفير الدعم الاجتماعي لأسر رجال ونساء الأمن، بل يتجاوز ذلك ليضطلع بدور مجتمعي نبيل يتمثل في إعداد جيل مشبع بالقيم الوطنية والإنسانية، قادر على التمييز بين الصالح والضار، بين الانتماء المسؤول والانحراف.
النجاح البارز للسهرة الختامية – بما تخللها من عروض فنية وتربوية أبدعها الأطفال – يعكس كيف تتحول هذه الورشات إلى سلوكيات ملموسة وقدرات إبداعية تُترجم على خشبة المسرح وأمام الحضور. كما أن شهادات الأطفال أنفسهم كانت أصدق دليل على القيمة التربوية للتجربة، إذ أعربوا عن اعتزازهم بما تعلموه من مضامين وقيم، إضافة إلى لحظات الفرح الجماعي وروح الاكتشاف.
إن مثل هذه المبادرات ليست مجرد أنشطة موسمية، بل هي استثمار بعيد المدى في رأس المال البشري. ومؤسسة محمد السادس للأعمال الاجتماعية، تحت إشراف المديرية العامة للأمن الوطني، من خلال هذه البرامج، تبرهن أن التنشئة الاجتماعية السليمة تبدأ من الفعل الميداني المبني على قيم المواطنة والتضامن والانفتاح.
في النهاية، يمكن القول إن مخيمات إفران تُجسد درسًا بليغًا في كيفية جعل الترفيه وسيلة لبناء الإنسان، وكيف يمكن لمؤسسات اجتماعية مهنية أن تتحول إلى فاعل أساسي في هندسة التنشئة الاجتماعية للأجيال المقبلة. وهنا يكمن الرهان الحقيقي: صناعة المستقبل عبر الاستثمار في الطفولة، ضمن رؤية استراتيجية ترعاها المديرية العامة للأمن الوطني.





