اش واقع فمدينتي

قصبة كدارة السلطان: التاريخ المنسي ماضي يتلاشى في طي النسيان

توفيق اجانا

قصبة كدارة السلطان هي إحدى المعالم التاريخية التي تعود إلى عهد السلطان المولى إسماعيل، أحد أعظم سلاطين الدولة العلوية في المغرب. بُنيت هذه القصبة ضمن سلسلة من القلاع والتحصينات التي أنشأها السلطان لتأمين مناطق نفوذه وترسيخ سلطته على البلاد..

تحمل القصبة اسم “كدارة” نسبةً إلى إحدى فرق الجيوش المولوية التي كانت تلعب دورًا هامًا في الجيش الإسماعيلي. وقد كان السلطان المولى إسماعيل يعتمد على فرق عسكرية مختلفة، من بينها جيش البخاري، لضبط الأمن الداخلي ومواجهة التمردات.

تقع قصبة كدارة السلطان في الجهة الجنوبية من مدينة مكناس، مما يمنحها موقعًا استراتيجيًا يسمح بمراقبة الطرق والتحركات العسكرية. كان لهذه القصبة دور بارز في تعزيز الدفاعات العسكرية وضبط الأمن في المنطقة، خاصة خلال فترة حكم المولى إسماعيل التي تميزت بالكثير من الحملات العسكرية لإخضاع المناطق المتفرقة

رغم ما كانت تتمتع به القصبة من أهمية عسكرية وتاريخية، إلا أنها اليوم في حالة خراب. لم تحظَ بالترميم الكافي، وهي الآن تحت ملكية الأملاك المخزنية حسب ما جاء في “كتاب اتحاف اعلام الناس بجمال اخبار حاضرة مكناس صفحة 171” . هذا الوضع يثير تساؤلات حول إمكانية إعادة تأهيلها وإدراجها ضمن قائمة المعالم التاريخية المحفوظة، نظراً لقيمتها التراثية المرتبطة بفترة هامة من تاريخ المغرب

يطرح هذا الواقع سؤالاً جوهريًا: لماذا لا نفكر في إعادة تهيئتها وإضفاء عليها الطابع المعماري الأصيل لتوظيفها ثقافيًا، على غرار باب الماكينة بفاس؟ للإجابة عن هذا السؤال، لا بد من تحليل أبعاد الموضوع من زوايا مختلفة تشمل الأهمية التاريخية، الثقافية، الاقتصادية، والسياحية

الأهمية التاريخية والتراثية

قصبة كدارة السلطان ليست مجرد بناء قديم، بل هي شاهد على مرحلة مهمة من تاريخ المغرب، حيث كانت جزءًا من السياسة الدفاعية للمولى إسماعيل. إعادة تهيئتها ليست فقط مسألة إعادة بناء، بل هي إحياء لذاكرة المكان وربط الأجيال الحالية بماضيهم العريق. الحفاظ على هذا التراث يعكس الاهتمام بالهوية الوطنية، ويمنع اندثار معالم قد تشكل قطعًا مفقودة في تاريخ المغرب.

البعد الثقافي والسياحي

توظيف القصبة كمركز ثقافي، على غرار باب الماكينة بفاس، قد يحولها إلى فضاء للأنشطة الثقافية والفنية، مثل المهرجانات، المعارض، والعروض المسرحية. هذا النوع من المشاريع يساهم في تعزيز الصناعة الثقافية، ويجذب السياح، ما يخلق دينامية اقتصادية للمنطقة، خاصة إذا تم ربطها بمسار سياحي يشمل مواقع تاريخية أخرى.

 الجدوى الاقتصادية والاجتماعية

إعادة تأهيل القصبة يمكن أن يكون محفزًا اقتصاديًا عبر استقطاب الاستثمار في السياحة الثقافية، كما أنه سيوفر فرص عمل لسكان المنطقة، سواء في مجال الحرف التقليدية أو الأنشطة المرتبطة بالسياحة. بالإضافة إلى ذلك، سيشكل هذا المشروع فرصة لإحياء الحرف اليدوية التي يمكن أن تساهم في ترميم المعمار الأصيل بأساليب تقليدية، مما يحافظ على الطابع الأصلي للقصبة.

 نحو نموذج تنموي متكامل ( البرنامج التكميلي )

 دمج قصبة كدارة في رؤية تنموية متكاملة خطوة مهمة نحو تحقيق توازن بين الحفاظ على التراث وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية. إن اعتماد نموذج تنموي قائم على التكامل بين الثقافة، الاقتصاد، البيئة، والمجتمع سيجعل من القصبة فضاءً حيويًا يعكس غنى التاريخ ويعزز جاذبية المدينة العتيقة كوجهة سياحية وثقافية مستدامة.

فإعادة تأهيل قصبة كدارة السلطان ليست مجرد مشروع معماري، بل رؤية ثقافية وتنموية تعكس احترام التراث المغربي وإدماجه في الحاضر. رغم التحديات، فإن التفكير في إحياء هذا الصرح التاريخي يمكن أن يكون خطوة إيجابية نحو الحفاظ على الهوية الوطنية وتعزيز دور الثقافة في التنمية. السؤال الذي يظل مطروحًا: هل سنشهد في المستقبل تحركًا جادًا لتحقيق هذا الهدف، أم ستبقى قصبة كدارة السلطان طي النسيان؟

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى