
توفيق اجانا
لا يمكن لأي ديمقراطية أن تنهض بمؤسساتها من دون نخب سياسية قادرة على الاضطلاع بمسؤولياتها في التشريع والتدبير. في المغرب، ورغم الإصلاحات التي عرفتها المنظومة الانتخابية، ما يزال النقاش قائما حول محدودية الكفاءة لدى عدد من المنتخبين، سواء على المستوى البرلماني أو المحلي، حيث يطغى أحيانا منطق المال والولاءات على حساب المعرفة والخبرة.
من هنا تبرز الحاجة الملحة إلى إعادة النظر في قانون الانتخابات، عبر إدراج شرط المؤهل العلمي كمعيار أساسي للترشح، بما يضمن الارتقاء بالعمل السياسي نحو الجودة والفعالية. فالبرلماني، الذي يمثل الأمة ويشارك في صياغة القوانين ومناقشة السياسات العمومية، لا يمكن أن يفتقر إلى أدوات معرفية رصينة. ولذلك، يبدو من المنطقي أن يشترط القانون في المترشح للانتخابات التشريعية التوفر على شهادة الإجازة على الأقل، لأن هذا المستوى الأكاديمي يتيح للمنتخب القدرة على استيعاب النصوص التشريعية وضبط المفاهيم القانونية والمساهمة في تطوير الترسانة القانونية بما يتلاءم مع التحولات المتسارعة.
أما في ما يتعلق بالمجالس الترابية، فإن طبيعة المهام تختلف، إذ تركز على تنفيذ القوانين وتدبير الشأن المحلي في ارتباط مباشر بحاجيات المواطنين. وهنا يكفي أن يشترط في المترشح التوفر على شهادة الباكالوريا، باعتبارها الحد الأدنى من التكوين المعرفي اللازم لفهم النصوص التنظيمية والتواصل الفعال مع الساكنة وضمان تنزيل المشاريع في احترام للمقتضيات القانونية.
وإذا ما عدنا إلى التجربة السياسية الراهنة، فإنها تبدو أضعف من سابقاتها على مستوى ضبط المفاهيم القانونية. فقد عرفت عدة حالات إلغاء انتخاب برلمانيين بعد الطعون والأحكام القضائية، وهو ما كشف عن خلل في انتقاء النخب وضعف في التحقق من الأهلية قبل دخول المؤسسة التشريعية. كما أن النقاش الذي أثاره قانون الإضراب الأخير أبان عن قصور في فهم التوازن بين النصوص القانونية والحقوق الدستورية، فيما اعتبرت المحكمة الدستورية بعض مقتضيات النظام الداخلي لمجلس النواب غير مطابقة للدستور، وهو ما عكس بدوره محدودية في استيعاب الحدود الدستورية لاختصاصات البرلمان. وإلى جانب ذلك، بينت تقارير مدنية متخصصة أن الأداء الرقابي للبرلمان ما يزال ضعيفا، حيث لم يتم قبول سوى نسبة ضئيلة من التعديلات على مشاريع القوانين، في حين أن المقترحات التشريعية للفرق البرلمانية نادرا ما تجد طريقها إلى المصادقة. أما التعديلات الأخيرة الخاصة بالمجلس الوطني للصحافة، فقد أثارت بدورها جدلا واسعا بسبب اعتماد آلية الانتداب بدل الانتخاب، في تناقض مع المبدأ الديمقراطي القائم على التمثيلية الحرة والاقتراع العام.
إن هذه الوقائع كلها تؤكد أن جزءا كبيرا من الخلل في التجربة السياسية المغربية مرتبط بغياب شرط الكفاءة العلمية، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على جودة التشريع واحترام المرجعية الدستورية. إن ربط الترشح بالمؤهلات العلمية لن يكون مجرد شرط تقني، بل خطوة نوعية نحو تجديد النخب السياسية، وإعادة الاعتبار لمكانة الكفاءة في التدبير السياسي، وقطع الطريق على “أصحاب الشكارة” الذين يختزلون العمل الانتخابي في المال بدل المعرفة. فالمغرب، إذا أراد أن يرتقي بممارسته الديمقراطية، يحتاج إلى قانون انتخابي جريء يجعل العلم والمعرفة مدخلا أساسيا للإصلاح، ويعيد الثقة للمواطنين في مؤسساتهم التمثيلية.




